نَقض المنطق السِّلمي
إحياء فقه الدعوة
و
مشروع التعريف بالقضية العراقية من منظور إسلامي
يقدمان بعد كتاب بوارق العراق
رسالة
نَقض المنطق السِّلمي
وهي
تنقلات فكرية ، وسياحات بين المعاني الشرعية
ومكاشفات إيمانية تبرأ من البدع وتعتصم بالاُصول
ونموذج في التحليل الإستراتيجي
واستـنـتاجات تجريـبـية توضح مَكامن الخطر
في
الاتفاقية الأمنية العراقية – الأميركية
وتنهـّدات رائد يرى الخَلل واللين واحتمالات الانحراف
ونقض فقهي ومنطقي وعُرفي
لتهاونات العملية السياسية السلمية الإسلامية في العراق
وتطلّعات طَموح يؤمن بأن الجهاد فرضٌ وفرصة
وأن المجاهدَ أعز الناس في الدنيا والآخرة
P
حقوق الطبع غير محفوظة
ويباح لمن يشاء إعادة طبعها وتوزيعها
ونشرها في مواقع الإنترنيت
«
يظهر في الغلاف سيف البطل العثماني محمد الفاتح
التقطته عدسة الراشد
وهو معروض في متحف طوب قبـي باستانبول
وتحته سيف سلطان آخر
وجالت جماليات الراشد
فأطلّ الهلال الإيماني يملأ السماء الصافية
وصار اقتباس التـُرس توكيداً لمعنى الذود
«
بغداد
رمضان المبارك 1429هـ
أيلول ( سبتمبر ) 2008 م
«
مَنطق السِّلم التـائه
qq مفاد البديهة ، وتجربة الحياة : أن العمل السياسي الصحيح ، وفق قواعد الفقه وثوابت الإسلام : هو تكميل للجهاد الواعي الشجاع ، وهو الوجه الثاني له ، والمستثمر لعطاياه ونتائجه ، وكلا الرهطين فاضلان ، وهما الميمنة والميسرة لقلب تمثله في هذا التوزيع دعوة فكرية تـربوية آمرةٌ نـاهية هي خط الإنتاج الخلفي ، ومصدر الإمداد والاحتياط ، عند الابتداء ، وأثناء التقلّب في المراحل ، وعند الانتهاء .
q تقليدٌ وارتجال .. أربكَ مسيرة الرجال
¨ ولكن هذا الفهم الوسطي والتقدير المتناسب : لم تستطع تجربة " العملية السياسية الإسلامية في العراق أيام الاحتلال الأميركي " مجاراته بمهارة أو الالتزام بشروطه الضمنية ، أو موازاة سمت الاعتدال وتمثيل السياسة الإسلامية في وصفها النموذجي الذي أورده الفكر الإسلامي الدعوي الحديث الذي يحرص على الأصالة كحرصه على التجديد والإبداع وملاءمة المستجدات ، بل حصل اجتهاد في التطبيق هو إلى الخطأ أقرب ، وتم رصد خروق ونزول عن المستوى المفترَض ، مع أن التجربة بقيت إسلامية الهوية في عمومها ، واحتفظت بعِرقها الإيماني ، وبمقارنة بسيطة يُتاح للعدل المنصف المتجرد عن الهوى أن يجزم بأن أكثر رجال هذه العملية السياسية هم من الثقات وأهل العفاف ، وقد أكسبتهم الصلاة ميزة على أرهاط غافلة من حولهم ، ولكن تجربتهم محدودة ، فأورثتهم غرابة في الظنون وتعسّفاً في التأويل وعثرات في الخطوات ، وإنما نتقدم بملاحظاتنا إيماناً منا بإمكان الاستدراك على الخطأ ، وتعديل المسار ، ولسنا نتهم أحداً بسوء ، بيد أنها النصيحة ، والمؤمن مرآة أخيه .
إن التجربة التي مضت : لم تكن بمستوى الأمل الذي انعقد عليها ، وظنوننا التي كانت متفائلة متفاعلة أصابتها صدمة فتحت ثغرة دلف منها تعكير للنفوس وتبديد للحماسة الأولى ، وما كان ذلك يليق لدعاة قدماء ، ولكن العلم الشرعي إذا ضمر عند قوم وسيطرت عليهم مصادر التثقيف السياسي بلا توازن : فإن النتائج تكون باردة ، وتضيع الوجهة ، وتضطرب القوافي ، ويُتاح مجال لأن يَخدع الكافرُ والمبتدع الغشاش رهطَ المؤمنين .
ومصدر الخلل : أن المجموعة السياسية أوهمت نفسها في " قياس مع الفارق " ذكره الأصوليون يقع فيه من لا يفقه تمييز العلل التي تسبّب عقد الأحكام واختلاف المعاني ، فقاسوا أمورهم على بلاد أخرى ولم يلحظوا فارق وجود الاستعمار الأميركي في العراق وسلطته المباشرة وسوء النية المفترض في كل أعماله وتدبيراته وتوجيهاته ، كما أن البلاد الأخرى ليس فيها ما في العراق من انقسام مذهبي وعرقي جعل معظم سياسات الأحزاب المنافسة تدور في مدار بعيد عن حكم الشرع وآداب الإيمان ومصالح الأمة الإسلامية ، إلى درجة تمنع عنا أن نأذن لأنفسنا بحلف معها أو تأسيس ثقة ، وتقليد ما في كتب السياسة وأعرافها لا ينفع في هذا الموطن المشتبك الغامض المعقد ، وإنما الصوابُ اللواذ بالعزة ، واستقلال الموقف ، وتسمية المنكر ، وصناعة خَلفية انطلاق سياسية للعملية الجهادية .
ومن أسباب هذا التخلّف عن هذه السياسة الجريئة : لوثات الدنيويات ، من دغدغات السمعة والرفاهية وبحبوحة المال ، تثاقل بالمؤمن إلى الأرض في سويعات الغفلة التي تتحول إلى متوالية تتكرر ، إذ الغفلة تقود إلى ذهول يؤدي إلى سَكرةٍ تطول سيطرتها تترك رعشة تطرأ على العقل يُجانِب معها الحكمة التي هي أبداً تتحرك بموازاة الذكاء والإبداع ، فيكون القول الـمُخرَج مهتزاً تعلو به الذبذبات وتنخفض في رجفات متعاقبة تعجز عن نيل " القياس الصحيح الـمُحكَم " !
لكن ليس هذا فقط ، بل لانعدام الدراسات الأولية التي توجه القرارات ، وارتجال الرؤى بمعزل عن دقائق حيثيات الواقع ، وحصول اجتهادات وقتية سريعة تصوغها أنواع من المنطق المِزاجي الذي من شأنه التقلّب ، وهي إلى التقليد أقرب منها إلى الاجتهاد ، ويكفي أن يوجد داعية واحـد يزهـد بالشرعيات ، ويزعم أنه قد وجد الصواب لدى سياسي واقعي يوصي بمجاراة رغبات الغرب التي لا يغلبها غالب ، ثم يلحن بحجته ، فيصرع المقلدين ويكون لهم إماماً في التسهيلية والانبطاحية والإمرارية ، وتسود المدرسة التأويلية الأرأيتمية التي تنازع مذهب أهل الحديث والنصوص وتتهم المؤمنين بالعجز ولا تلتمس درباً تربوياً أو استدراكاً تخطيطياً يصنع المعجزات .
والذي ساعد على رخاوة السلوك السياسي لدى النفر الذين اختاروا العملية السياسية : أن الأمر اختلط بالانتخابات البرلمانية ، ثم لاحقاً بانتخابات مجالس المحافظات ، فصار الفوز والحرص على الأصوات هو الديدَن والمعيار والقضية وسبيل الامتلاء النفسي ومقياس الإنجاز ، وليس كذلك شأن الميزان الدعوي الأصيل ، فإن تقديم أنفسنا على أننا الذين نمثل الدين وحكم الشرع والفكر الإسلامي النقي الشمولي هو الأصل ، وعلى ذلك يكون الحرص ، فإن اختار الناس تكذيباً ومالوا إلى إعطاء الأصوات لعلماني ومخادع وانتهازي ومصلحي وصاحب لين ، أو انتصروا للقرابات وعصبيات الأنساب وخالفوا المقاييس الإيمانية : فبجثمةِ أقدار السوء عليهم يفعلون ذلك ، وما ينبغي أن يستفزنا فعلهم ويخرجنا إلى طيش كتمان القول الفصل الصريح للشرع والعقيدة فيهم وفي كل الوضع والعلاقات العوجاء والعقول الشاردة والأنفس التي شوشتها الغبرات وإلقاءات الشيطان ، بل الصراحة هي طريقة السياسة الإسلامية ، وتردفـها الصرامة ، والمرشـح البرلماني المؤمن يُسمّي الأشياء بأسمائها ، ويضع العناوين ، ويكشف زيف الباطل ، ويتفنن في تمجيد الصواب والحق وذكر مناقب أهلهما ، ويثبت على ذلك ، ولو زهد به وبصحبه الدنيويون المتفلتون من واجبات الشرع ، ويبقى يفهم أن إصراره على المبدأية والتأصيلية سيوسع دائرة مؤيديه في المستقبل ، وإن أخفق اليوم فسينجح غداً إذا أجاد التوكل على الله تعالى وأتقن استعمال وسائل الإعلام ، والإسلامي الصادع بالحق له هيبة في نفوس الناس ويقذفها الله في قلوبهم ، وقد ينزعها إذا رأى من عبده تهاوناً واستعجالاً في تحقيق الفوز على حساب الفكر ، والقول بأن تأخير الفوز يذهب بالفرصة ويؤدي إلى تقوية الباطل وضعف شأن الإسلام ، وأن إدراك نصف المصلحة خيرٌ من تفويتها كلها : قولٌ بحاجة إلى تدقيق ، فإنك من خلال صلابتك تترك الأمة بيد ربٍّ حكيمٍ خبيرٍ غيورٍ على دينه ، وجميعنا ، أثناء الانتخابات وبعدها : في ظلال رحمته ، وهو سبحانه يتولى الصالحين ، فوق أن قيامك بواجب المعارضة المهدية الراشدة الواعية من خارج البرلمان يحقق ثلاثة أرباع ما يُتاح لك في البرلمان ، ويردع الغوي عن الاسترسال في عمايته ، وكلمة الشعب لها قوة إذا عرفنا كيف نقودها ونستثمرها ، وكم من حكومة في التاريخ السياسي خضعت لها وأذعنت ، والحياة متكاملة ، وكما يكون التأثير عبر برلمان : يكون عبر قلةٍ واعيةٍ تدرس الشرع والسياسة الشرعية ثم تذيع بشائرهما وتتخذ من النِذارة صَنعةً واُسلوباً .
فترويج مثل هذه المعاني والبدهيات الإيمانية يُبرِد القلوب اللاهبة ، ويميل بأهل القلق والاستعجال إلى التؤدة والسير الحكيم المنضبط بقيود الحلال والحرام والمندوب والمكروه ، ويمنع من التنازل عن شروط الفقه ، ويُنضج ممارسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويدع المؤمن يوقن بأن نجاحه في نشاطه السياسي بكل أنواعه منوط بتوفية الوصف الشرعي واستكمال الحدّ الفكري ، ولا يتعلق بتساهلٍ وتنازلٍ وترك شطرٍ لتمرير شطر ، وإنما ذلك حِسٌّ غريب على البيئة الدعوية وتواصي رجالها ، وإنما كان رواج قول التنازليين ومبالغتهم في دعوى المصلحة والضرورة لأنهم أهل تسويق لنظريتهم هذه وحماسة في حملها وسعة نشرهم لها ولمنطقها ، حتى صرعوا صغار الدعاة والجُدد الذين لم يتمرسوا ، في الحين الذي تأول دعاة الصلابة لسكوتهم ورأوا وجوب حفظ وحدة المجموعة ، فغلبَ البيانُ الهمسَ ، والناس تـستـطيب خِفة التكاليف وتكره ما هو ثقيل صعب ، وهي تفضل الحاضر الناقص على غائبٍ موعود أتم وأكمل .
وأيضاً : صار استبداد النزعة السلمية بسبب كثرة من يمثلها في الوسط القيادي وقلة من يمثل الجهاد ونمط التصلّب ، وهو خطأ وقـع فيه التربويون كذلك ، وتلك ظاهرة خطرة ، نشأت عفواً ، لأن مجال السياسي النطق واحتلال الصف المتقدم ، ومجال المجاهد والتربوي الفعل واللغة الهادئة ، وتعابير التورية واللبث في الصف الخلفي المستور ، ثم شأن السياسي الظهور وتقصّد العلن ، وأمر الآخرين يليق له السّر ، والنتائج السلبية أصبحت تحملنا على اللجوء إلى نوع علاج ، مع ما فيه من مخالفة ما هو أولى وأصح ، ليحصل التوازن ، وليشعر حامل كتاب الفقه وحامل البندقية أن الوكلاء ينوبون عنهما في نشر مذهبهما .
حتى الأخطاء التخطيطية صارت ملاذاً يتـترس خلفها دعاة التساهل والسلم ، وذلك أنهم ما زالوا يبذلون الشكوى ويتأففون من قلة الناصرين والمنفذين حتى قرّر أولياء الأمر الإسلامي تخصيص المدد لهم من بعد الـمَدَد ، وبعث الثلّة من بعد الثلة لرفدهم ، حتى أصبحوا سواداً عظيماً ، بينما عمل الجهاد يقوم على تشديد الانتقاء ، وعلى نظرية أن القلّة الماهرة ذات الإتقان أنفذ من كثرة ضعيفة الخبرة ، فأصبح السياسيون يجعلون من هذا الواقع العددي المتفاوت حُجة جدلية على أحقيتهم ، واتخذوا من ذلك قرينة على شكر أولياء الأمر الإسلامي لهم ، وليس كذلك الأمر ، بل هو خطأ سيصيبه استدراك ، فإن الرفد الكثير إنما كان لأن وعوداً بُذلت بأن يكون الجهاد السياسي وافيَ الشكل والحقيقة ، فلما بانَ ضعف النموذج : انكشف خلل الواعدين ، وصار استئناف القضية ، وحصلت قناعة بتغيير المعادلة وسحب المدد التائه في الدائرة المفرغة التي يعود آخرها إلى أولها وتوجيهه إلى مسار الصعود ، وبذلك تكون هذه الحجة داحضة عارية من معنى الدليل والترجيح ، بل المظنون أن الاجتهادات الخاطئة قد تراكمت حتى حرمت العمل السياسي من الفاعلية ، والتهمة تتوجه إلى نمط الرخاوة ، وأما التفعيل فيتطلب حزماً وعزماً وشعورَ استعلاءٍ مع قوةٍ في حمل الكتاب .
ومن محنة المجاهد والتربوي : أنهما يلتزمان المكيال ، ويُفصحان عن قولٍ عدلٍ ، ولا يُبقيان بعض المعنى مُضمراً ، وغيرهما قد يقترف الجِـزاف ، وينثر في الثـنـايا حروفاً تـتجمع منها كلمة سرّ فيها إيماء وتطمـين للأعوج ، ويتـفلّت عبر " لعلّ " و " ربُما " من أثقال العزائم .
q شُبهات في ترجيح السلم وتعطيل الجهاد
¨ ومن خطورة العملية السياسية الحاضرة : أن أصحابها أخذوها بنوع حماسةٍ زائدة واسترسال سريع في العمل السلمي وصل إلى حد زعمهم أنه الأفضل والأولى والأنفذ ، وأنه هو وحده الذي يتكفل بتحصيل نتائج ملموسة ذات أثر ، ويبنون على ذلك دعوى وجوب احتكار العملية السياسية لجهود الدعاة ومَن يواليهم ، وتعطيل الجهاد ، وهذا تصور خاطئ وباطل فيه نقضٌ لمبدأ التكامل بين العملين ، ولذلك اضطروا لصياغة منطقٍ يؤيده فيه التفافٌ على الحقائق وظنونٌ تتكلف نسبة صفاتٍ سلبية للممارسة الجهادية .
من ذلك إثارتهم لسؤال : مَن يستثمر الجهاد ؟ وزعمهم أن الإسلاميين يبذلون ويحصد العلماني والعميل والمنحرف .
وهذا صحيح لو نظرنا إلى القضية من زاوية تاريخية فقط ، فإن التاريخ السياسي الحديث فيه نماذج لمثل هذه الاختراقات وسرقة الثورات ، ولكنه غير صحيح إذا نظرنا من زاوية خططية ، فإن الخطط المعاصرة استوعبت الدروس العملية وفطنت إلى الثغرة التي كانت سابقاً وأتاحت للفاسق أن يقطف الثمرة التي زرع شجرتها المؤمن ، وصار استدراك فيه إقرار التكامل بين العملين الجهادي والسياسي ، والمجاهد اليوم يبرأ من زعم الاحتكار للحقوق والقرار والرأي والإرث ، وإنما يلجأ إلى توكيل جناح سياسي بأن ينوب عنه في استثمار النتائج لصالح الإسلام ، وكان المفروض في العملية السياسية الإسلامية الحالية في العراق أن تكون هي الوكيلة ، وأن تتعامل بالحسنى مع الكتلة الجهادية ، وأن لا تزعم احتكار العمل ، بل تفتح باباً يوحد عملها مع المكاتب السياسية للمنظمات الجهادية ويتطور إلى عملية نهيٍ سلميٍ عن منكر الاستعمار ، ومنكر الحكومة الطائفية ، ومنكر الميلشيات الحزبية التي أسرفت في القتل ، ومنكر التدخل الإيراني ، ومنكر الانفصال وتقسيم العراق ، ومنكر الاتفاقية الأمنية ، ومنكر التلاعب بالامتيازات النفطية ، ولكن العملية السياسية مشت على استحياء أمام هذه المنكرات الغليظة ، وقال البرلمانيون فيها قولاً ليّناً مختصراً ، بل كانوا إلى السكوت أقرب ، ولم يؤجّجوها كقضايا ساخنة بما يناسب الإفساد الحاصل منها في عالم الواقع ، وإنما حصل تعايش تدريجي معها ، واكتفاء بعتاب أو رجاء أو إيماء ، وكان الأداء بارداً ومن ثـَم كانت خيبة الأمل والنقد التضعيفي وذهاب بعض المجاهدين إلى حِدّة أنكرناها عليهم ، لما نعلم من إخلاص رجال العملية السياسية ، ولكن أصل الملاحظات الغاضبة صحيح ، لأن رفع الصوت كان هو الأليق ، وكنا ننتظر لَعلَعة فكرية تسند لعلعة الرصاص وتوازيها وترفع وتيرتها ، ولكن الحروف كانت هامسة ، وأنا نفسي كنت قد كتبتُ في تأييد العملية السياسية ، ونظرت إلى أنها ضرورة يمليها واقع العراق المعقد المنقسم مذهبياً وقومياً ، ولكني كنت آمل من رجالها الصلابة والجرأة وكمال الصراحة ، وأن تثير زوابع في وجه أنواع المنكر كلها ، فلما رأيت الرخاوة توقفت ، وعندما لمست بوادر ترويج المنطق اللين وزهدهم بالجهاد أدركتُ أن المجموعة السياسية لا تسير بالطريق الرباني المطلوب ، وأنه لا بُدّ من نفضةٍ وتبديل رجالٍ وتصحيح المسار .
وفي جدل تفضيل العملية السياسية قيل : الجهاد العراقي يفتقر إلى مشروع سياسي واضح لحكم العراق وإدارة أزماته وطرائق سد الفراغ الذي سيتركه انسحاب جيش الاحتلال ، وهذه شبهة ترتد على العملية السياسية أيضاً ، فإن مشروعها مجموعة رؤى إجمالية وتعميمات ليس فيها تفصيل وتخصيص ، والعذر قائم للجهتين في ظرفِ عراقٍ مضطرب وانفلات أمني وتصارع حزبي ، وواجب الوقت الذي له الأولوية هو إجلاء المستعمر وإطفاء النار الملتهبة في الصدور مع نار أخرى في الميادين ، ولن تعجز عقول المخلصين بعد ذلك عن صياغة دستور عادل ونظام عملي متوازن .
وفي النقاش يُقال من باب الجدل المقابل : ماذا يضير العملية السياسية لو أنها بادرت إلى صياغة المشروع الجهادي ودونت آفاقه التنموية والاجتماعية والسياسية وقدمته هدية إلى المجاهدين ؟ مع أن المسألة في أصلها أهون من ذلك ، فإن افتقاد الجهاد لمثل هذا المشروع إنما هو نقصٌ قابلٌ للاستدراك ، وما هو بخلل أساسي يمنع انطلاق الجهادَ واستمراره أو يسوغ القعود عن نصرته وتمكينه من نيل غايته ، والقضية تحتاج نصيحة بالإسراع في تدوين المشروع ، وهي أقرب من أن تتحول إلى وسوسة تطورت إلى قطع الجسر الرابط بين الجمهرتين الفاضلتين ، والأمر لا يتولاه منطق جدلي ، بل تتولاه نوايا صالحة ، ونقاء قلوب ، وتربية إخاء ، وتثبيت لروح الجهاد في نفوس السياسيين .
وقيل في السياق : أن الجهاد تنقصه رموز وقيـادات معلنة وزعامات تنادي به ، والجواب في ذلك هو الجواب السابق ، فإن ذلك نقصٌ قابـل للاستدراك عليه ، مع أن القضية لم يسببها عجزٌ ، وإنما هي الضرورة الأمنـية وخطورة الظهور ، وكل حركات التحرر في العالم أتيحت لها مساندة من دولة مجاورة يلجأ إليها رجال الجهاد أو طُلاب الحرية ، إلا الجهاد العراقي ليس له ظهير غير الله تعالى ، وكل البلاد المجاورة تخاف أميركا ، أو لها مشاريعها الخاصة التي تتقاطع مع مصالح الجهاد ، وخطة الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي تميّز جيداً خطورة انتصار الجهاد العراقي ومصافحته لجهاد حماس في فلسطين ، ولذلك تحمل اللوبي الصهيوني في أميركا على ممارسة مزيد ضغطٍ على الرئيس الأميركي ليضغط بدوره على الدول الإقليمية المحيطة بالعراق ، وأصبح المجاهد العراقي يمارس جهاده في أصعب الظروف ، والمضايقة تأتيه من الجانبين : من جانب شركائه في المواطنة من العراقيين الذين تحالفوا مع الجيش الأميركي بدوافع طائفية أو انفصالية ، ومن جانب الدول المجاورة التي تخاف إغضاب أميركا .
وقالوا : أن المشروع السياسي جهادٌ أيضاً ، وهو يقوم مقام القتال ، وهذا مجاز لغوي يتيح تلاعباً بالألفاظ وتحريفاً للمعاني ، فإن الأمر قائمٌ على التكامل بين النوعين ، ومن أجل حث السياسي على بذلٍ سلمي يعضد القتال قال الفقهاء أن وقفة رجل السياسة في قول الحق ونصر الرمي : جهادٌ أيضاً ، وما أرادوا أنه البديل ، وفروض الأعيان وفروض الكفايات تبقى فرضيتهما قائمة حتى تحصل الكفاية ويتحقق الغرض ، وما دام الاحتلال مستمراً فإن فرضية قتاله قائمة ، ولا يجوز القعود عن ذلك عند استطاعة القتال ، والسياسة السلمية حقٌ وفرض ، لكن ممارستها لا تجيز إلقاء السلاح ، ولا تجيز أن يزعم السياسي المسلم عدم الحاجة للجهاد القتالي ، بل له فقط أن يختار لنفسه الأداء السلمي في الإنكار على المستعمر من باب جواز تقاسم الأدوار ضمن الخطة الإسلامية العامة التي تجمع بين الصنفين وتنسق بينهما ولا تهدر قيمة كل نشاطٍ يؤدي إلى ضعف العدو وجلائه مهما تنوعت أشكاله ، فالإعلامي مُجاهدٌ بهذا الاعتبار ، لأنه يوصل خبر الجهاد إلى العالمين أو يقوم بتثبيت المعنويات ، والمفاوض مجاهد ، والبرلماني مُجاهدٌ أيضاً ، والإداري والوزير ، كل ذلك من باب القياس الشرعي الصحيح ، لأن القرآن نفسه قاس وضع المنفق المتبرع بماله للجهاد على القتال واعتبره جهاداً ، ووردت آيات عديدة في مدح المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ، فانفتح باب القياس ودخلت أصناف الذين يسندون القتال في عداد المجاهدين مع أنهم لا يُقاتلون ، لكنّ أحداً منهم ليس هو البديل عن المقاتل ، ولتقريب التخريج الفقهي القياسي إلى الأذهان في هذا المجال يمكن النظر إلى مثال صانع السلاح وما يحتاجه من علم بالإلكترونيات ، فإن كل أحدٍ يجزم بالبداهة أن الصانع مجاهد ، لكن صنعه للسلاح لا يلغي ضرورة وجود مقاتلٍ يحمل السلاح ويستعمله ، إذ السلاح لا عقل له ولا إرادة ، ولا يتحرك حركة ذاتية ، فكذلك السياسي ، يسند المجاهد ولا يُلغي مهمته ، وكُلاً وعد اللهُ الحُسنى إذا صدقت النوايا ، والسياسة ضرورة وشرف وعمل صالح في الميزان الشرعي ، والجهاد بحاجة إليها ، وإنما نحن نـنـتقد الأداء الضعيف فيها .
ومن وجوه الانحراف عن الموضوعية في ثنايا جدل السيـاسة والقـتال : قولهم : إن القتال لم يحقق النتائج المرجوة منه ، وصار العمل السياسي هو الذي يُقنع الناس .
وهذه حَيدةٌ عن المرجعية الشرعية التي توجب الجهاد ، وذهابٌ إلى تحكيم موقف الناس والوزن بموازينهم ، فالناس إن ضمر عندهم معنى الجهاد فلأنهم تعبوا من تحمل مشقات الجهاد ، وقد بذلوا الكثير ، وكان المستعمر يتقصد إيذاء المدنيين في أعقاب كل عملية جهادية من أجل إخضاع الناس والوصول بهم إلى درجة الملل والاستسلام ، وهذه حالة استثنائية لا يصح أن نجعلها برهاناً جدلياً نستنبط منه إيقاف الجهاد ، بل هي تدعونا إلى أن نعالج نفوس الناس بحقائق الإيمان وقصص الشعوب التي طلبت الحرية حتى نالتها ، وقد يشير الأنصاف إلى إبطاءٍ في القتال نتعمده من أجل منح الناس فرصة راحة ، وظواهر الفتور المرحلي في الثورات وحركات التحرر معروفة ، ويفهمها القادة ضمن فهمهم لطبيعة الإنسان وظواهر حركة الحياة ، ويتعاملون معها بواقعية تنصحهم بالإرخاء والريث لتجديد الهمم وشحن الأرواح والتعويض عن الاستهلاك النفسي ومداواة الجروح ، من دون أن تتطور الوقفة إلى إلقاء السلاح وإنهاء الجهاد ، بل يكون الاستئناف من قريب ، ويكون تقصّد تنفيذ عمليات نوعية ترهب العدو وتوقظ النعسان وتعود بمن أبطأ إلى وتيرة الإسراع ، والجهاد العراقي قد استمر على الرغم من شعور الناس بالتعب ، لأن العدو كاد أن يُعلن جدولة انسحابه ، وانهارت معنويات جنوده ، وفي ظرفٍ كهذا تكون الحكمة في مواصلة الضغط ، والمحاججة الجدلية توصلنا إلى رؤية تعب الناس الذي سببته طرائق جماعة القاعدة ونظرياتها الخاطئة في اغتيال وجوه الناس وأعيانهم بزعم الخيانة ، وليس تعب الناس من عمليـات الفصـائل الجهادية ضد جنود الاستعمار ، وكذلك عمليات القاعدة في التفجير العشوائي للسيارات المفخخة التي تقتل المدنيين من العراقيين أنفسهم ، وهي عمليات بلهاء لا أثر لها في ردع المستعمر ، بل هي تطيب له ، لما فيها من سمعةٍ سيئةٍ للجهاد ، ولذلك نجح في اختراق القاعدة بعملائه من أجل تشجيعها على الإكثار من تفجير السيارات لتزداد كراهية الناس للجهاد ، وهناك دلائل كثيرة تشير إلى أن المستعمر نفسه يفجر السيارات ثم ينسبها إلى القاعدة ، في أداءٍ لئيمٍ يتنـافى مع أخلاق الحروب ، والجهاد الأصيـل بريءٌ من أذى المدنيين ، ومنظماته البطولية ماضيةٌ في دربها الجهادي الواعي الرفيع ، ولئن انطلت اللعبة الأميركية على الناس لوقت فإنها عادت فانفضحت ، وروح العزة متجذرة في التكوين الشعبي العراقي ، ورجعت الأمور بعد الفتور إلى النبض والتجدّد والسمت الفاعل ، وانهار منطق مَن استطاب برودة السياسة فتمنى خمود جمرة الجهاد .
ومن التحليل الغلط الذي استدرج العملية السياسية لمزيد من الثقة بطريقها السلمي : ذهابها إلى أن أميركا بدأت تفسح المجال لإشراك أهل السُنة والجماعة في الحكم بعد سنواتٍ من امتناعها وحكرها للأحزاب الطائفية ، وأنها اقتنعت بضرورة التوازن بين الفئتين ، إقراراً بالواقع العراقي المنقسم ، وعلى ذلك يجب اغتنام الفرصة لإعادة الاعتبار وتحقيق العدل .. !
والمنطق صحيح إلى حدٍ ما لو كانت أميركا جادة فعلاً في الاستدراك على مواقفها الأولى ، ولكن الأمر ليس كذلك أبداً ، والإستراتيجية الأميركية في معاكسة التوجه الدعوي العالمي المتصاعد بالتوجه الطائفي المتشنج هي إستراتيجية مجزومٌ بها ، وقد طبقتها في العراق بحماسةٍ وحرصٍ حين رأت في الكتلة الطائفية حليفاً طيّعاً يثق بها ويتفانى في خدمة مخططها مقابل تمكينه سياسياً وأمنياً ، وتم إبرام الصفقة من يوم ذهبتْ وفود الأحزاب الطائفية إلى البيت الأبـيض قبل الغزو ، وحصل وفاء من الجانبين بالعقد ، وتم تنفيذ نموذج سيء للخيانة ، وكانت المليشيات الطائفية اليد اليمنى للجيش الأميركي في ضرب الجهاد العراقي على طول الخط ، وأدى فيلق بدر أول الأدوار في إرهاب أهل السُنة الذين هم محضن الجهاد وخطه الخلفي ، وقَتَلَ أعيانهم وشيوخ العلم الشرعي فيهم ، ثم أشرك معه في المرحلة الثانية جيش المهدي ، وما كانت مليشيا حزب الدعوة غائبة في المرحلتين ، وكل ذلك بتمكين من الجيش الأميركي ومباركة منه علنية ملموسة من لدن كل مراقب ، ومباركة إيرانية اقترنت بمساعدات مالية وسلاحية واستخبارية وقيادية قامت بها المخابرات الإيرانية في أرض العراق لإسناد الأحزاب الطائفية ومليشياتها بسماح من الجيش الأميركي ورضاه ، لما في ذلك من إضعافِ الجهاد ، وما زالت هذه الإستراتيجية قائمة ، ولكن التطلعات الإيرانية لحيازة سلاحٍ ذري أثار قلقاً في الأوساط الإسرائيلية ، ليس خوفاً منه ، فإن إسرائيل كانت الحليف الأول لإيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية أيام صدام حسين ، وهي مصدر سلاحها وعتـادها ، كما انكشف ذلك في قضية " إيران جيت " ، ولكن إسرائيل تخاف من أن تسري العدوى إلى تركيا لتحوز قنبلة نووية أيضاً ، بدوافع التنافس القديم العثماني الصفوي الذي ما زال حياً في النفوس ، وتركيا تحت حكم إسلاميين اليوم يحاولون التدرج ، وقد تتطور الأمور خلال سنوات فيحكمها الإسلاميون الخُلّص ، ومن ثـَم كان تخوّف إسرائيل من مستقبل تركي يهددها يدفع إليه حاضر إيراني طموح ، فصار لذلك هذا الضغط الأميركي على إيران الذي لا يتجاوز القضية النووية ، ولأن إيران تستخدم جيش المهدي والكتلة الشيعية في العراق في الرد على التهديدات الأميركية بضرب مفاعلها النووي : لجأت أميركا إلى تقليم أظافر جيش المهدي وتأديبه من دون الإجهاز عليه ، لحاجتها إليه مرة ثانية ربما في ضرب الجهاد وخلفيته السُنية ، ومن هنا كان وهم العملية السياسية السُنية في أن أميركا تريد التوازن ، وليس الأمر غير إجراءٍ وقتي منها تشير إليه توازناتها هي وليس التوازن العراقي ، ويسوغ لنا أن نراقب ذلك على أنه قَدَرٌ رباني من اختلاف الخصوم ، فنُرخي وقتياً ، ونؤجل ضرباتنا لهما ، ليتعاركا ، وليس أن نبني موقفنا على أن السياسة الأميركية تبدلت ، فهي لم تتبدل ، ولا يصح أن نوقف الجهاد لمجرد استنتاج ظني لفحوى ظاهرة عارضة ، وجيش المهدي بعيدٌ كل البُعد عن المعنى الجهادي ، وإنما يتحرش بالقوات الأميركية وعلى استحياءٍ من أجل نهيها عن ضربة تأديبية لإيران ، كما أن أميركا بعيدة كل البُعد عن تصورنا للتوازن ، وإنما هي تناور مناورة ميدانية تكتيكية تتيحها مرونة السياسات المرحلية ، وأما إستراتيجيتها في تشجيع المنافسة الإيرانية للوجود السُني فباقية ، وبمثل هذا البيان تنهار حجة أخرى للعملية السياسية في الزهد بالجهاد .
وقضية المفاعل النووي الإيراني هذه ، وما اقتضته من ضرب جيش المهدي الإيراني الارتباط : هي التي كانت السبب وراء التحسن الجزئي في الحالة الأمنية لأهل السُنة وتوقف قطع الرؤوس ونزيف الدماء ، ثم لأن الإرهاب الذي مارسه جيش المهدي قد حقق مقصده في معركة بغداد وتهجير أهل السُنة وجعل أكثرية أهلها شيعة ، فتكون فدرالية بيدهم حكمها .
ورجال العملية السياسية يذهبون إلى أن التحسن الأمني هو من إنجازهم ، وأن سياستهم نجحت ، وليس كذلك الأمر ، بل في هذين السببين سر التحسن ، ولا فخر لهم فيه ، لأنه سَلَب بغداد من أيدينا ، وجعل أكثر سكانها شيعة ، وهو تحسنٌ مشوب ، وظاهرة طبيعية بعد المعارك الكبيرة ، وهي معركة تفوّق فيها الخصم علينا وانتصر ، فكفّ يَده وتوقف ، وبقاء بعض مناطق السنة في بغداد بيد أهلها إنما حصل من خلال إسناد المجاهدين لهم ، وليس هو من إنجاز الساسة .
وكل هذه التفريعات ووجوه المنطق الجزئي نحن وإياهم في غنىً عنها لو حصل استحضار حقيقة السوء الأميركي الدائم وما يبدر منها من مضايقات للأمة الإسلامية في كل القارات ، وافتعالها لقضية أبراج نيويورك من أجل تشديد قبضتها الحديدية على العالم الإسلامي والدعوة والأعمال الخيرية الإغاثية وتهديد الحكومات المحلية في ديارنا لتسير ضمن مخططها وتقوم بالتضييق على الدعاة والمجاهدين في كل مكان ، بل هي قصة قديمة بدأت قبل ستين سنة حين رأت بطولات مجاهدي الإخوان في حرب فلسطين سنة 1948 ، فكان اجتماع بين سفراء أميركا وبريطانيا وفرنسا في معسكر فايد مع طائفة من خبراء المخابرات وتقرر قتل الإمام الشهيد حسن البنا وحل الجماعة والبطش بها ، ومنذ ذلك اليوم واليد الأميركية تتدخل وتظلم ، وبقيت مشاعر قادة أميركا تتصاعد حتى فاه بوش الابن بها وسمى غزوه للعراق بأنه امتداد للحروب الصليبية ، وكشفت صراحته ما أخفاه غيره ، ونظرة عاجلة إلى أحداث دارفور في السودان ترينا نموذجاً من الظلم الأميركي للشعوب المستضعفة ، فقد أوجدت مشكلة من لا شيء ، وقامت بتسليح البسطاء ليثوروا بلا سبب قوي ، وإنما من أجل إقلاق حكومة السودان وحصارها فحسب ، لأنها تجرأت واستثمرت النفط بامتياز منحته للصين وماليزيا وكنـدا ، بعيداً عن حضور أميركي ، فكانت كل هذه القصة ، ومن قبلها قصة قرنق في الجنوب ، وآخر المبتكرات الأميركية في هذا السياق أنها أنشأت قيادة لقوة أميركية عسكرية خاصة بأفريقيا مهمتها ملاحقة الصين في محاولاتها النفطية والتجارية في القارة السوداء ومعاقبة الحكومات المحلية التي تتجاوب مع الرغبة الصينية ، ولو أضفنا هذه الحقائق إلى تاريخ الأزمة الاقتصادية التي أحدثتها أميركا لنمور آسيا قبل عشر سنوات بواسطة اليهودي سوروس ، ثم إلى اجتماعات شرم الشيخ ورعاية مساعي الصلح مع إسرائيل وإسنادها للسلطة الفلسطينية ضد حماس وحكومة غزة وبرلمانها المنتخب : لتكشفت لنا الطبيعة الإجرامية للسياسة الأميركية على طول الخطين الزماني والمكاني ، وإنما أرادت من احتلال العراق تحقيق زخم آخر في معاكسة طموحات المسلمين ، فصار منطق الجهاد هو الواجب ، قولاً فصلاً لا مجال معه لجدال وتأول ، ولا بُد من تشديد الضرب عليها حتى تعترف بالانسحاب .
وكنتُ قد قلت في محاضرة حين بدأ الغزو أن هدف أميركا غير مصرح به ، وأنها تعمد إلى ( غموض كامل هو جزءٌ من الخطة الحربية الأميركية ، أو بالأحرى : من خطة التفوق الأميركي .. هو الغموض ظهير للخطة الحربية .. سياسة الغموض هذه نجحت إلى حد كبير في توهيم العالم ، لكن أنا أقول : ربما نحن نستطيع أيضاً أن نتملص من الغموض بأن نفترض أدنى الاحتمالات : أن أميركا كل أحوالها رديئة ، وكل أحوالها سيئة ، وكل تأويلاتنا للسياسة الأميركية سيئة .. إذاً ما يضرنا بعد ذلك أننا نتعامل مع سوء كلي من أميركا بأي صورة تـَصوّر وبأي خطة تسمى ، وبأي طريقة سعت ، كله سواء .. فافتراضنا أن كل ما تأتي به أميركا هو سيء : هو المنجاة من هذا الغموض ) ( هناك من الساسة ومن المفكرين الواقعيين – الذين يسمون أنفسهم واقعيين – من يقول : نرضى بحلٍ مع أميركا أحسن ، نحاول الوصول فيه إلى المنتصف ، نصفٌ لنا ونصف لهم ، باسم السياسة الواقعية يريدون بيع التراث ، والانسحابية ، ويريدون إبطال الجهاد .. لكن نحن نقول : نتملص من ذلك بأصلٍ نضعه في خطتنا الدعوية بأن نفترض أن كل أميركا سيئة ) وأوردت ذلك في كتابي بوارق العراق / 93 .
q أنواع الضرر الكامنة في الاتفاقية الأمنية مع أميركا
¨ إن وصول الشرح إلى هذه النـقطـة وإلى هذه الاستنـتـاجات والتحليلات : يُتيح رؤية السوء الكامن في الاتفاقية الأمنية التي يروّج لها البعض ويقول : إن وجود العملية السياسية الإسلامية فيها خير من غيابها عنها ، لتخفيف شرها ، وهذه مقولة جزافية ، ظاهرها الرحمة ، وباطنها عذاب ، وهي وليدة اجتهاد خاطئ ولدته تراكمات المواقف الداجنة المغرقة في السلمية ، وصار التوصل إلى هذا الميزان العليل بسبب نسيان ميزان " كل أميركا سيئة " ، والجهاد العراقي الواعي يعيش بين دوامتين تعصفان عن يمينه ويساره : دوامة الخوارجية التكفيرية التنطعية التي استكبرت فزعمت احتكار الإمارة الشرعية وأسرفت في اغتيال المجاهدين ودعاة الإسلام الذين لا يوالونها ولا يقرون بولايتها ، ودوامة المبالغة في الأنماط السلمية عند رجال العملية السياسية الإسلامية ، وأما دوامات العابثين والخونة وكتلة مؤتمر لندن للمعارضة العراقية فأمرها أسهل ، لانفضاحها .
ومن مطالعة سريعة لمتن الاتفاقية ندرك أن جوهرها الرئيس هو تقنين الاستعمار والموافقة عليه وإكسابه عنصر قوة ومنحه قبولاً في القانون الدستوري المحلي العراقي وفي الفقه الدولي ولدى الأمم المتحدة ، من خلال التراضي التعاقدي المؤيد بالقبول والإيجاب وتثبيت التواقيع والأختام الرسمية ، وبموجب ذلك تتحول حالة الاحتلال إلى حالة وجودٍ حلال ، بموجبها تقيم القوات الأميركية وجيوش المرتزقة الملتحقة بها في قواعد عسكرية عديدة تختارها في العراق وتنطلق منها لمحاربة المجاهدين ومَن يُعاديها من دون حصرٍ وتقييد لعدد جنود هذه القوات الأجنبية وحجم سلاحها .
هذا هو العمود الفقري للاتفاقية مهما طرأت عليها من تعديلات هامشية ، وهو اعتراف عراقي بالظلم الأميركي ، وركوع أمام الإرادة الاستعمارية ، ووثيقة استسلام ، وإنهاء مجحف للصراع لصالح الغازي ، وإعلام للعالمين وجميع الدول أن العراق يعترف بسيادة الدولة العظمى على أراضيه ، وبحقها في أنواع الصولات والجولات الحربية داخله ضد مواطنيه العراقيين بلا رقيب وحسيب ولائم ومنتقد وناهٍ عن منكر الإسراف في الذبح والسلخ والتدمير والإبادة وحرق الأخضر بعد اليابس ، والجندي الأميركي كما في التعبير العامي العراقي ( مايـِن مِفتصِل ) يفعل ما يشاء وهو العزيز البريء المصان الكريم .
هذا هو التفسير والشرح التبسيطي لأهم مادة في الاتفاقية ، والاتفاقية في جانب منها ووجه من وجوهها : أنها عقد مصالحة وإبراء ذمة وإخلاء طرف وتحرير من المسؤولية ، وذلك يعني هدر جميع الدماء والأموال وأنواع العدوان التي ارتكبتها أميركا في العراق خلال الحرب التي لم توافق عليها الأمم المتحدة ، ثم خلال الاحتلال وإلى يوم توقيع الاتفاقية ثم هدر ما يكون من ذلك أثناء مدة سريانها وبعد تجديدها المضمون وإلى ما يشاء الله ، كل ذلك عفو وملغي وغير قابل لإقامة الدعوى القضائية عليه في المحاكم العراقية أو الدولية ، ومن دون تعويض ، بل ولا مطالبة باعتذار .. !!
أنا قانوني وطالب علم شرعي في آنٍ واحد ، وتخرجت بكلية الحقوق ، وهكذا علمني أساتذتي وشيوخي من الفقهاء أن أفهم النصوص التعاقدية والقانونية ، وعامة الناس من العراقيين ، بل من الساسة والبرلمانيين : لا يفهمون ذلك ، لقلة وعيهم الفقهي ، وعدم درايتهم بلغة الغموض في القوانين والعقود ، والمادة المتعلقة بالقواعد وإقامة الجيوش الأميركية فيها في الاتفاقية مختصرة مركزة وفيها وداعة ونعومة ، ولكن إذا جدّ الجد فإن هذه التفسيرات التي ذكرناها كلها تكون سارية ، ويكون الإقرار الملزم بحق أميركا في التصرف الوحشي ، وهدر السوابق العدوانية .
من هنا تتبين خطورة وخطأ وإثم وضع بصمة إبهام يد متوضئة عليها ، ومن هنا حصلت القناعة بوجوب براءة العملية السلمية الإسلامية من هذه الورطة والبيع المجاني للعراق .
فوا خزياه من سياسي مسلم يضع توقيعه عليها من دون أن يدري آفاقها القانونية !!
ويقول أصحاب المنطق السلمي : القوات الأميركية موجودة فعلاً ، وليست الاتفاقية هي التي تأتي بها ، بل هي واقعٌ جاثم والاتفاقية تحدده وتقلله وتـُلغي عموميته بتحجيمه ضمن مجالات خاصة هي القواعد !
وتلك مغالطة أولاً ، فإن الجيوش الأميركية ما أرادت القواعد لتنحصر فيها ولا تتجاوز أسوارها ، وإنما هي معسكر استعداد واختباء من سلبيات الحياة اليومية ، ومن هذه المعسكرات تخرج عند الحاجة لتعيث فساداً في كل أرض العراق ثم تعود لتستريح في مقرها الآمن ، فما هو الفرق ؟ بل هذه حالة تعفيها من واجبات تحقيق الأمن لتتجرد لملاحقة المجاهدين ، فهي أنكى وأشد .
ثم قول السلميين هذا إنما هو قول المبتدع القَدَري الذي يستسلم لقَدَر السوء إن أحاط به ، وأما قواعد الإيمان فتدعونا لمحاربة قَدَر الشر الذي هو الاستعمار بقدر الخير الذي هو الجهاد والدفع والذود والرفض والثورة وطلب نـُصرة الأحرار في كل العالم من بعد نصرة الأمة الإسلامية .
وقد يقولون : لم يستطع الجهاد إجلاءهم !!
فيُقال : وهل أنتم تجلونهم بالاتفاقية ؟ إنها اتفاقية تكريس للبقاء ، فلماذا تسرعون إلى الإقرار لهم وتحويل الحرام حلالاً ما دام الموضوع ليس موضوع جلاء ؟
بل في الأمر التفاف على الحق من وجه آخر ، فإن الجهاد وإن لم يستطع إجلاء المستعمر إلا أنه مستمر في محاولته ، فالجـهـاد موجود ، والإثخان في العدو حاصل ، وبالصبر وطول النَفَس نأمل إن شاء الله أن نصل إلى النصر وإجبار العدو على إعلان جدول انسحاب مسجل لدى الأمم المتحدة ، فلماذا خذل هذا الجهاد طالما أنه مستمر ؟ وعلى فرض توقفه : أفليس من شأن الأمم والشعوب الحرة أن تعيد المحاولة إذا فشلت في المرة الأولى ؟
إن العملية السلمية اُريدت لتأجيج المطالبات القانونية والإعلامية بجلاء الاستعمار ومساندة مطالب المجاهدين من خلال الوسائل السياسية في البرلمان والوزارات والعمل الحزبي المجاز ، ولم توجَد لتضع ختمها أيضاً على اتفاقية تطيل مدة الاحتلال !
وفي الاتفاقية جانب آخر من السوء ، وذلك أن مادتها الرابعة تمنح الجيوش الأميركية الحق الكامل المطلق في ملاحقة ومحاربة ( تنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى والمجموعات الخارجة على القانون وفلول النظام السابق ) هذا نصها .
وهو نصٌ خطير ، لأن كل الفصائل الجهادية بزعمهم وزعم الحكومة هي مجموعات خارجة على القانون ، وفي عداد المجموعات الإرهابية ، وهذه أوصافٌ عامة ليس فيها تحديد وتفصيل وتمييز واستثناء ، بل كل مجاهد يمكن أن تلحقه إحدى التهمتين : أن يكون خارجاً على القانون الذي صارت هذه الاتفاقية بعضاً منه وجزءاً لا يتجزأ ، أو أن يكون إرهابياً ، بل حتى المعارض سلمياً يمكن أن يوصف عندهم بالإرهابي .
بمعنى أن الاتفاقية والقواعد إنما تراد لاستئصال الجهاد والقضاء على الروح الجهادية ، وهذا وجه الخطورة ، فكل من يرضى بالاتفاقية يكون راضياً بالوقوف في صف أعداء الجهاد ، والجهاد فريضة شرعية وأمر إسلامي وعمل إيماني ومجاراة لأعراف الحرية والانعتاق من ربقة الظلم والاستبداد ، فيكون الراضي بالاتفاقية خصماً للمعنى الشرعي والإسلامي والإيمـاني والعُرفي ، لأن النص عام ، ولو فرضنا جدلاً أن المنظمات الحالية لا تمثل في نظر الراضي بالاتفاقية الجهاد الصحيح ، فيتأول لرضاه ، فإن عمومية النص تجعله خصماً للجهاد بالتأكيد إذا أبرز الوضع المستقبلي عملاً جهادياً صحيحاً ، فيكون الراضي بالاتفاقية قد فتح نافذة تدخل عليه منها رياح الإثم والوزر ، لأن بروز منظمات جهادية واعية بريئة من العيوب التي يلاحظها : أمرٌ محتمل في العقل ، قابل للوجود والتحقق .
فيا وزير .. أنت في خطر الوزر ... !
ويا برلماني .. أفق من سكرة الأماني ... !
ويا إعلامي .. لا تصطف مع الخائن والحرامي ... ؟!
وفي النص خطورة عظمى من وجهٍ آخر ، وذلك أننا إذا وافقنا عليها تجعلنا خصوماً رسميين للقاعدة ، ولمن سماهم النص : فلول النظام السابق ، فهذا في التخريج الفقهي والقانوني والسياسي : إقامة حلف رسمي ، بمعنى أن كل من يوقع على الاتفاقية يكون قد دخل في حرب رسمياً مع القاعدة وبقايا حزب البعث ، فضلاً عن بقية المجاهدين ، ويكون قد استعان بالمستعمر الذي هو كافر على ضرب مجموعة هي في أقصى أوصافها الشرعية مجموعة مسلمة خوارجية ، وذلك لا يجوز وممنوعٌ شرعاً ، وقد رفض النبي r انضمام كافرٍ إلى جيشه المتوجه إلى غزوة بدر وقال له في الحديث الصحيح : ( إرجع ، فلن استعين بمشرك ) ، والتفاصيل مبحوثة في الجزء الرابع من كتابي " أصول الإفتاء والاجتهاد " .
إن الخلاف بين جمهرة المجاهدين ودعاة الإسلام من جهة ، وبين تنظيم القاعدة من جهة أخرى ومَن التحق به من رجال البعث : خلاف داخلي نحله بالحسنى على طريقة عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين جادل الخوارج وأوضح لهم خطأ عقيدتهم في التكفير وقتل المسلمين ، فتاب معظمهم ورجعوا إلى الحق ، أو بالحرب ، على طريقة علي بن أبي طالب t في قتال الخوارج ، وطريقة الحسن البصري ، من دون استعانة بالكافر الأميركي الذي له غايات أخرى ، ونحن نعتقد أن الغالبية العظمى من جنود القاعدة أبرياء من بدعة التكفير ويمكن أن يتوبوا ، وإنما الخلل منحصر في قيادتها التي لا تملك بضاعة فقهية كافية فشوّش مفاهيمها زعيم موتور وناصح غشاش ، فانساقت في درب قتل الدعاة والمجاهدين في العراق وزعمت دون وجه حق أنها صاحبة الإمارة الشرعية وأوجبت على كل المجاهدين طاعتها من دون تفويض وبيعة رضائية ، وهذا تلبيس شيطاني يمكن أن ينفع في إزالته الحوار الإيماني ، وذلك متصور في العقل جائز الوقوع ، فإذا تابت قيادة القاعدة وتبعها جنودها وتجردوا لمجاهدة العدو الأميركي وتوقفوا عن اغتيال المجاهدين والدعاة : فهم إخواننا في الدين عند ذاك ، وأصحابنا في الجهاد ، وأما طريق الاتفاقية وتسليط الكافر المستعمر وتفويضه قتال القاعدة فهو خطأ وانحراف عن أحكام الشرع وآداب الإيمان وأعراف الفروسية الموروثة ، وإذا لم يكن جهد علماء العراق كافياً لتبصير رجال القاعدة بحقائق العقيدة وأحكام الشريعة : نصير إلى الاستعانة بعلماء الأمة الإسلامية كلها ، من أجل محاصرة بدع التكفير في مهودها أينما برزت ، وليس بأن نستعين بمبتدع آخر أو فاسق وكافر ، وعند توبة القاعدة تكون كل دماء إخواننا التي أراقوها مهدورة ولا نحاسبهم عنها ، وذلك حكمٌ قاسٍ صعبٌ على القلب قبوله ، ولكنه حكم الشرع وقول الفقهاء ، لأنهم أراقوها بتأويل ، وكانوا في مَنـَعة بسبب السلاح الذي معهم وتغلّبهم على بعض أجزاء البلاد ، وهذان الوصفان يجعلان القاعدة في عداد الخوارج ، وذلك هو حكم الدماء التي يريقها الخوارج ، وفي مدونات الفقه شرح ذلك ، وكأنّ عِلّة الحكم : الإغراء بالتوبة ، وهذا إفتاءٌ مني اعتمدت فيه القياس ، ولربما أكونُ مخطئاً .
وبدرجة ثالثة تتضمن الاتفاقية عيباً يمس هيبة الدولة وكرامة الشعب العراقي ، وذلك ذهابها إلى تمتع جنود الجيش الأميركي والمرتزقة بحصانة قانونية تمنع محاكمتهم وعقابهم وفق القوانين العراقية ، وإنما تتولى ذلك جهاتهم المختصة ووفق القانون الأميركي ، وهذه النقطة هي التي أعلن رجال العملية السياسية الإسلامية معارضتهم لها ورأوها إجحافاً بحق العراق وهددوا بعدم تمرير المعاهدة إن بقيت هذه الحصانة ، واعتراضهم جيد ، لكنه مرجوح ، وهو صِدقٌ يخالطه تفريط ، وإباء لصغيرة فيه تمرير للكبيرة ، لأن الموقف الجاد يقتضي تشديد النكير منهم على وجود القواعد أصلاً ، وعلى تعميم ملاحقة كل المجاهدين ، إذ هناك الخلل الأعظم ، وقضية الحصانة ثانوية بالنسبة لهما ، والأمر يدور بين أن يكون تمويهاً أو غفلة وقلة دراية وضعف استيعاب لفحوى الاتفاقية ، لأن عدوان الجنود الأميركان بسبب قلة الانضباط قد يتكرر عشرات المرات فقط خلال السنة على بعض العراقيين وتمنع الحصانة عقابنا لهم ، ولكن عدوان الحركات العسكرية الأميركية الرسمية على العراقيين والمجاهدين انطلاقاً من القواعد العسكرية سيطال الألوف من الأحرار والمجاهدين والمستضعفين سنوياً ، وأجدر أن يتوجه إنكارنا له ، لضخامة حجمه ، لا للعدوان الصغير ، وهذا هو التطبيق العملي للقاعدة الفقهية في الموازنة بين درجات المصالح ودرجات المفاسد إذا اجتمعت ، بأن نحرص على إزالة السوء الأكبر ، وعند التمكن الكامل نزيلهما معاً ، وبذلك تتجرد معارضة من يعارض الحصانة فقط من معنى المعارضة الصحيح ، وهو تصرف ناقص يكاد أن نتهمه بالتلاعب بعواطف الأحرار ولا نشكره ، وفيه مسحة من التدليس الخفي الذي لا يليق للسياسي المسلم ، وليس فيه بطولة حتى لو نجحوا في رفع الحصانة عن الجندي الأميركي ، طالما أن أصل الجثمة في القواعد يبقى ، وهذا أمر فرعي بالنسبة له ، والبطولة الحقة في أن يرفض المسلم كل الاتفاقية ويقول للغازي : أخرج !
وفي الاتفاقية جانب سوء آخر يتمثل في النص الصريح على أن القوات المسلحة العراقية بجميع أنواعها ، من الجيش والشرطة والمخابرات : تقاتل مع الجيش الأميركي وتسنده وتخدمه كلما خرج من قواعده لملاحقة المجاهدين ، وهذا حاصل الآن ، ولكن إقراره في اتفاقية دولية سيكرس الانقسام الاجتماعي في العراق ويزيد من حدة الجفوة ومساحة الفجوة بين مكونات المجتمع العراقي ولمدة طويلة ، إذ في القضية سجون ودماء وتدمير وترميل وتيتيم ، مع آهات يظل صداها يتردد لأجيال ويمهد لحرب أهلية أخرى ، لأن هوية الجهاد سُنية ، وأهل السُنة هم المحضن له ، وتكوين القوات المسلحة شيعي وكردي في الغالب ، وكانت الخطة الأميركية قد أفقرت الناس وشجعت المشـاعر الطائـفية في آنٍ واحد ، فاندفعوا للانخراط في القوات المسلحة وقاتلوا المجاهدين من خلال الحكومة وقراراتها المنحازة ، فاكتسبت الطائفية الشكل الرسمي ، ثم هي الآن تحولها الاتفاقية الأمنية إلى الشكل الدولي ، ونتيجة كهذه نفترض أنها تقوم بإجفال العملية السياسية السلمية وتدعها تنكر الاتفاقية ، لأن من المفاهيم الأساسية التي تبنتها العملية السياسية : مفهوم وحدة العراق اجتماعياً وسياسياً ، وجوهر الاتفاقية يطعن هذه الوحدة ، ويزيد العداوات ، ويغرس عوامل الثأر ، وذلك لأن الجهاد إنما نشأ كردٍّ على العدوان الأميركي ، ومناهضة العسكري العراقي له لا تعني غير انتداب نفسه للدفاع عن مصلحة استعمارية ، ولذلك يكون من ذيول معاني الاتفاقية : إغراء العراقي من خلال المال والرواتب الضخمة ومن خلال تأجيج العواطف الطائفية والعنصرية على خدمة المصالح الاستعمارية والتعايش معها والتفاني في الدفاع عنها إلى درجة القتال وبذل الروح ، لما في العمليات العسكرية من هذه الاحتمالات ، وهذا معناه إقرارٌ لمنهج تربوي لا يخالف الإسلام فقط ، بل يخالف الشعور الإنساني العام والفطرة وعادات الشعوب ، ومعنى ذلك أن الاتفاقية مثلما لها وجه قتالي سياسي سيء : فإن لها وجهاً نفسياً آخر ، يمسخ اُسس الاعتدال الروحي والعقلي ، ويوسخ القلوب ، ويُعكر المعنويات ، ويُهبط الاهتمامات ، ويصنع شخصية جديدة متمردة على تعاليم الدين والأخلاق تطيع شياطين الأنس والجن ، وهذه هي النتيجة البعيدة التي تخطط لها أميركا ، وذلك مكمن الخطر الأكبر .. !
ثم من سوء الاتفاقية : خلوها من نصٍ يمنع القوات الأميركية المتمركزة في العراق من نشاط عسكري ضد دول الجوار وفي المجال الإقليمي الأبعد ، ونحن نعلم من تصريحات الرئيس بوش أن الخطة الأميركية تريد أن تجعل من العراق موضع قدم يمكنها من تدخلات في كل المنطقة ، ونعلم أيضاً أبعاد الشراكة الإستراتيجية القائمة بين أميركا وإسرائيل ، ولذلك علينا أن نتوقع كل شيء ، من ضرب دول عربية وإسلامية انطلاقاً من قواعد العراق ، إلى ضرب دول أخرى أبعد ، وكل الاتفاقيات التي أبرمتها الدول الأخرى التي رضيت بوجود القواعد الأجنبية حرصت الحكومات المحلية على تضمينها نص عدم استخدام القواعد ضد دول الجوار وغيرها ، لكن الاتفاقية العراقية خالية من هذا النص ، وغيابه يكشف عن نوايا سوء تبيتها أميركا ضد كل دولة في المنطقة ترفض العولمة الأميركية أو تعادي إسرائيل أو تتقدم خطوة نحو الإسلام ، ومن المتوقع إجهاض حركات التحرر ، وأي خطة طموحة للدعوة الإسلامية في المنطقة بعدما نضجت الدعوة من خلال مسيرتها التطويرية الطويلة ، وكل ذلك متعلق بالمعركة الأخيرة القادمة مع إسرائيل والتي يتحقق فيها الوعد القرآني ، وبوش يعلم ذلك من خلال عقيدته الدينية ومحتويات التلمود اليهودي التي تتفق في هذه النقطة مع مفاد القرآن ، وهو وحزبه الجمهوري في انتظار معركة الهرمجدون التي يتوهمون أنها ستهزم جيوش المسلمين ، وهيهات ، ولذلك تجعل الخطة الأميركية قضية القواعد في العراق ركناً أساسياً فيها ، وساء ما يظنون وما يخططون ، إنما إن كان الكافر تسرح آماله على هذه الطريقة بسبب ضلاله : فما بال المسلم لا ينتبه لذلك ولا يحلل الأمور ولا يراقب المعالم ولا يدرس التاريخ والحاضر والمستقبل ؟
وآسفا على يوسف .. !
ضاع الوعي ، والتبسَ على المتصدين مفاد الوحي .. !
وضمرت الفِراسة ... واضمحل التحليل .. !
وقضية تجديد الاتفاقية بعد عشر سنوات وَهْدةٌ أخرى ، وموضع شبهة ، وتسبب للأحرار حيرة ، فإن الأمر متعلق بموافقة الحكومة العراقية ، والمستعمر قد ضمن نوع تشكيلها من يوم ذهبت وفود الأحزاب الطائفية والأحزاب الكردية إلى واشنطن تدعوها إلى غزو العراق ، ثم لما حصل التعاون التام أثناء الغزو وصدرت فتوى إلقاء السلاح ، ثم أثناء الاحتلال في صور شتى ، من حملات الاغتيال ومحاربة المجاهدين وتقديم المعلومات الاستخبارية ، مما حمل المستعمر على المكافأة ورد الجميل من خلال تمكين هذه الأحزاب في السلطة واحتكار أكثر الوزارات وإتاحة فرصة نهب مليارات كثيرة من أموال النفط بحيث ضمنت غناها وتفوقها الكاسح ، ولذلك فإنّ الحكومة التي ستجدّد سريان الاتفاقية لن تكون إلا مثل حكومة هذا اليوم ، والتجديد مؤكد ما لم يغير الجهاد المعادلة الحاضرة ، وخلال عشرين سنة هي المدة الأصل ومدة التجديد سيربي المستعمر جيلاً خيانياً عميلاً كاملاً من أبناء العراق أنفسهم يضمن بهم التجديد الثاني والثالث ، ولذلك فإنّ القول بإمضاء المعاهدة اليوم تحت ظرف الضرورة ثم العمل على عدم تجديدها إنما هو قولٌ بارد فيه بهتان وإيهام ، وإذا لم يخرج المستعمر الآن فستطول الجثمة ، وإذا استرخت العزائم فمن الصعب إعادتها إلى وتيرة الجد ، إذ يبدأ شغل الأموال بعدئذ ، والمناصب ، والعناوين ، والاُبهة ، والترف ، والرَغَد ، فيكون التخدير الطويل الزمن ، ويبدأ التفلسف والتأويل وتسمية الأشياء خلافاً لحقيقتها ، بأن تكون مماشاة أميركا حكمة ، والعمالة واقعية ، والنهي عن المنكر تهوراً ، والعفاف الوظيفي والسياسي يبوسة ورجعية ، تماماً مثل ما صار عشق الحرية اليوم في قاموسهم إرهاباً .. ! بل وقد تتحول طريقة التعامل السياسي مع العولمة إلى شبه طريقة عصابات المافيا ، من يدخلها لن يستطيع الفكاك منها ، فإنهم يغرون النظيف بعمل بسيط أول مرة ، ثم يتدرجون معه ، فلما يكتشف أنه في ورطة ويتململ ويريد الانسحاب : يهددونه بالفضح أو القتل ، فيجد نفسه أسيراً ، فيستسلم ... !!
ومِن منطق مَن يرى تمرير الاتفاقية أن وضع توقيع أهل السُنة عليها يحفظهم من استبداد الآخرين بهم ، وكأنهم يرون أن أميركا ستشكر ، وهذا إمعان في الوهم ، فإن أميركا حين شكرت الآخرين لم تلاحظ معونتهم لها فقط ، بل لاحظت الفرق العقائدي أيضاً ، والفكري ، والنفسي ، وهي تقيس بمعايير إستراتيجية وليست ميدانية ، فتشجع الطائفي والانفصالي لما في ذلك من التقاء مع أهدافها وأهداف إسرائيل في تقسيم العراق وتمزيقه ، ولن تساعد السُني مهما ساعدها ، بل تستفيد منه ثم تركله ، لأنها تعلم جذور تربيته ، واستقامته على مدى التاريخ ، واعتداده ، ونظافة قلبه من الشهوات والبدع والثأريات ، وحرصه على معنى الأخوّة الجامعة ، وهناك دوائر استشراقية ومعاهد بحوث تدرس تاريخ الأمة الإسلامية وتقدم الوصايا والاستنتاجات إلى وزارة الخارجية وقادة الجيش الأميركي تعلّمهم كيفية التعامل مع الحقائق الاجتماعية والفكرية والعقائدية في كل قطر ، وتزيد تقارير المخابرات الأميركية توضيح ذلك وتقدم خارطة تنفيذية مشفوعة بالأسماء والأرقام والإحصائيات ، ولذلك فإنهم يعلمون مَن هو حليفهم ومَن الخصم ، وتبديل ذلك لا يكون بوضع توقيع حزب سُني على الاتفاقية ، فضلاً عن أن الدنيا تؤخذ غلابا ، وليس من طريقتنا التنازل لمستعمر ليحمينا من عدوان عدو محلي دفعه المستعمر نفسه للعدوان ، والتوكل على الله أجدى وأجدر وأقرب إلى تحقيـق معنى الحمـاية والدفاع ، فهو سبحانه ولي المتقين ، وناصر المظلومين ، ولن يُضيّع عبادَه الصالحين الذين يُصلّون الصلوات الخمس ويستغفرون للصحابة وسلف الأمة ، وكل محنة وشدّة فإنما هي للتمحيص تراد ، ولتعميق التوبة ، والمؤمن ينتظر بعد الأزمات الفرج ، وله عشرة تأويلات لتأخر النصر ، ولا يرضى لنفسه اليأس والقنوط من رحمة الله ، كما لم يرض لها وضع التواقيع وإعطاء الدَنـِيّة في الدين !
ومن حُجج من يرى التسهيل : أن اليابان وألمانيا رضيتا بالقواعد الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية فلم يحصل لهما ضرر ، بل تقدمتا وقوي اقتصادهما ، وهذا قياس مع الفارق ، فإنهما أشعلتا تلك الحرب ، فكان رد الحلفاء ، ونحن لم نشعل الحرب ، بل أميركا هي البادئة ، ثم إن هذين البلدين كانا من قبل ذلك ذروة في التقدم المدني والعلمي والتنموي والاقتصادي ، مما مكنهما من امتصاص صدمة الهزيمة والاحتلال ، ونحن بلد متأخر ، وتقدمهما اللاحق إنما حصل لحل جيشهما فتحولت الميزانية العسكرية للتنمية ، ثم الفارق الأكبر في كفرهما وإسلامنا ، فأميركا تشاكلهما في الشخصية الفكرية والنفسية ولا تجد ما تبدله ، بينما هي تريد نحت تكويننا الإيماني وأخلاقنا وتربيتنا ، ومع ذلك فإن إدعاء عدم حصول ضرر لهما إدعاء يناقض الواقع ، إذا أميركا تؤثر في سياسة البلدين بشكل واضح ، وتكبح تطلعاتهما ، وبقيت على مدى أكثر من ستين سنة تمنعهما من فرص كثيرة نافعة لهما ، ومن المنتظر أن تمنع أميركا العراق أيضاً من تحقيق أي طموح ، وتبقيه تابعاً ، وأول ذلك : أن تخرجه من معادلة الأمن الاستراتيجي العربي ، وأن تعطل دوره المستقبلي ضد إسرائيل وتدفعه إلى صلح معها وتطبيع بشكل مبالغ فيه ، ثم السيطرة على نفطه وعلى توزيعه ، بحيث تحرم الصين منه وتمنع احتمالات التقارب العربي الصيني الذي هو من المعالم المهمة في الخطة الإستراتيجية للعالم الإسلامي إذا أراد تخفيف القبضة الغربية عليه ، والأميركية خصوصاً ، والصين لها مستقبل واعد ينعكس على الأمة الإسلامية إيجابياً في نواح كثيرة كما تشير دراسات استشراف المستقبل ، فكل ذلك من توابع التوقيع على المعاهدة الأمنية ، ومن مستحقاته المؤكدة ، وأصحاب نظرية التوقيع عليها يجهلون ذلك أو يتجاهلون ، ولكن الله تعالى يمنح المجاهدين بصيرة تريهم ما لا يرى المتساهلون ، والتوقيع ليس نهاية ، بل هو بداية فقط لسلسلة من التنازلات التي ستترى وتتعاقب بسرعة أو بإبطاء وتحصل عليها أميركا بتعاون مع الخائنين ، أو بلكمات عند التمنع والرفض ، ولا تحتاج ليد طويلة ، لأنها لا تمتد حينئذ من وراء البحار والحدود ، بل من القواعد في الداخل ، وتتناوشنا من مكان قريب !
ثم يقولون : بوجودنا نقلل الحقوق الأميركية في المعاهدة ، ونحصل على حقوق أكثر للعراق ، وأن مثل ذلك حصل فعلاً أثناء المفاوضات .. وهذا صحيح ، ولكن جوهر المعاهدة هو وجود القواعد وإكساب الاحتلال صفة شرعية دولية وتسخير القوات العراقية لمحاربة المجاهدين ، وهذه الأمور لم تمسها المفاوضات ، وإنما كان النجاح في أمور ثانوية هامشية فقط ، مثل إخضاع مستوردات القوات الأميركية للضرائب ، وحماية الآثار العراقية ، وأشياء تافهة أخرى ، وحتى لو حصل إخضاع جرائم الجنود الأميركان للقانون العراقي وتم رفع الحصانة عنهم فذلك ليس بالشيء الكبير كما شرحنا سابقاً .
ويزعمون أن الجهاد قد ضَعُف ، وهذا يحملنا على أن نكون واقعيين ونرضى بوجود القواعد ، لأنها أقل ضرراً من تجول القوات الأميركية بيننا وفي مناطقنا يومياً .
وهذه مغالطة ، فإن القوات الأميركية لا يمكنها أن تستمر هكذا في التجول في مناطقنا لأمد طويل ، فقد تعبت ، وإذا لم ننجدها بالموافقة على القواعد فقد تنسحب ، ووصف الواقع يجب أن يلاحظ إمكانية استمراره في المستقبل ، وهم لا يستطيعون الاستمرار لما فيه من إرهاق وتحطيم لمعنويات جنودهم .
وفي الأمر قلبٌ للموازين أيضاً ومخالفة للمنطق ، فإن العلاقة بين الجهاد والنشاط السلمي تتناسب عكسياً أكثر من تناسبها الطردي ، بمعنى أن الجهاد إذا قوي فإن العمل السياسي السلمي يجوز أن يقل إلى أدنى حالاته ، وإذا أكثرنا منه فذلك كمالٌ نحبذه ، كالذي يصلي الفرض فقط ، فإنه أدى الواجب ، لكن إن زاد فصلى السنن : فذلك كمال في نظر الشرع ، أما إذا ضعف الجهاد واعترته صعوبات : فإن العمل السياسي يجب أن يزداد ويكون فيه التعويض عن بعض الجهاد ، وهذا هو الاستنتاج العقلي الذي تسرع إليه البديهة ، وعلى ذلك فإن زعمهم ضعف الجهاد حجة عليهم وليس حجة لهم ، مع أن الجهادَ عاد بعد الفتور الوقتي إلى القوة بحمد الله ، وصار استئناف الضرب من منظمة جامع والجيش الإسلامي وكل الفصائل .
وهكذا تنهار جميع مقولات رجال العملية السياسية في أن وجودهم في الاتفاقية خير من غيابهم عنها ، بل ذلك شرٌ في كل وجوهه ، واستسلام ، وانتحار ، ومسارعة إلى اليأس ، وليس كذلك ديدن الأحرار ، ولا هكذا يتصرف الحكماء ، وكأن بهرج المناصب خطف الأبصار ... فاهتزت البصائر ، وفي الجهاد الحل ، وفي الدوران مع مراد الشرع ودلائل العقيدة النجاة .
q نقض شبهة دفع غزو إيراني محتمل من خلال إمضاء الاتفاقية
¨ ورجال العملية السياسية يعتقدون أن أقوى حجة لديهم هي أن الاتفاقية ستحمينا من غزو إيراني محتمل ، أو بلسانٍ آخر : أن استمرار الوجود الأميركي في العراق هو خير وسيلة لمنع إيران من أكل العراق .
وهذه الحجة داحضة ، وهي من الوهم المحض ، ونمتلك عشرين وجهاً من وجوه الرد الناقض لمنطقها الذي يتلاعب بعواطف أهل السُنة بعدما أجفلتهم التدخلات الإيرانية خلال السنوات الماضية ، فالتدخل الإيراني حقيقة واقعة ، ولكنه لن يكون بدون الاتفاقية أكثر مما هو عليه الآن ، وذلك للأسباب الآتية :
( 1 ) لا يوجد نص في الاتفاقية يُلزم أميركا بالدفاع إزاء هجوم إيراني توسعي في أرض العراق ، بل هناك نصٌ يشير إلى الحفاظ على وحدة العراق ، فقط ، والعراق يبقى موحداً حتى لو أخذت إيران بعضه ، مثل المناطق الحدودية ، ولذلك فإن أميركا سوف لا تقاتل ولا تعرض نفسها وجنودها لمخاطر من أجل رغبة العراقيين طالما يكون الهجوم الإيراني محدوداً ، وبذلك تبقى أميركا من الناحية القانونية في صورة من التزم الوفاء القانوني وفق المعاهدة حتى لو لم تقاتل ما دامت وحدة العراق باقية ولو بصورة منقوصة ، وأميركا تـُقدّر جيداً أن التحرش الإيراني المحدود يكون من باب الاستنزاف لقدراتها العسكرية ، ولذلك لن تنجرّ إلى حرب جزئية ، وهي أذكى من ذلك .
( 2 ) ومن الناحية المصلحية أيضاً بعد الناحية القانونية ، لا توجد احتمالية لاستنفار أميركا قواتها والاشتباك في معارك مع الجيش الإيراني لو احتل بعض العراق من باب الحفاظ على مصالحها النفطية ، لأن إيران لا يمكنها أبداً التحرش بالنفط العراقي الذي هو في اليد الأميركية ، بسبب أن إيران هي دولة نفطية أيضاً وتعتمد عليه بشكل رئيس ، ولذلك يكون الرد الأميركي عليها بتخريب نفطها ، وهذا فرع من إستراتيجية توازن الرعب ، أو توازن الردع ، وعليه فإن أميركا بموجب ذلك تعلم أن التحرش الإيراني بالعراق لا يعني مصالحها ، فتهمله ، وبذلك لا نلمس وجهاً للثقة بأن التحرش سيستفز أميركا .
( 3 ) إن تاريخ الاحتلال الأميركي للعراق أبدى مقداراً عظيماً متواصلاً من غض النظر المتعمد عن تدخلات المخابرات الإيرانية في العراق والتفجيرات التي تقوم بها ، واغتيالها لكبار ضباط الجيش العراقي السابق ، والطيارين وعلماء الشرع ، وعلماء التكنولوجيا ، لأن كل ذلك كان يصبُّ في المصلحة الأميركية ويؤدي إلى إضعاف الجهاد وإرهاق محضنه السُني ، والقياس يفيد أنها ستستمر في غض النظر لو استمرت إيران بعد الاتفاقية في مثل أعمالها تلك .
( 4 ) إن التدخل الإيراني ليس من مصلحته أن يكون هجوماً كاسحاً واحتلالاً للعراق ، لأن مثل هذه الخطوة فيها نقض لحكم طائفي حالي يخدم إيران من وجوه عدة وبينهما تشابه ، وإنما سيقتصر على التدخل المخابراتي ، وهذا لا تستطيع أميركا منعه .
( 5 ) لو هجمت إيران على العراق فإن ذلك سيكون شيئاً مؤقتاً ولن تستطيع الاستمرار وإطالة أمد الاحتلال ، لأن المعادلة العالمية لا تحتمل ذلك ، فأميركا ستنكر عليها سواء وُجدت في العراق أم انسحبت ، وأوربا ستنكر عليها ، واليابان ، والصين ، وروسيا ، والأمم المتحدة ، لأن الاحتلال الإيراني سيعرض إمدادات النفط للخطر ، وهذه خطوة حساسة خطرة ، والداخل الإيراني ضعيف وفيه فجوات ، ومن الصعب جداً أن تجازف إيران هذه المجازفة .
( 6 ) وتركيا بالذات من بين الدول الإقليمية سوف لن تسمح أبداً بمثل هذا الاختراق الإيراني لمجالها الحيوي وأمنها القومي ، إذ هو التفاف على تركيا ، وبين إيران وتركيا عداوة منذ زمن الحروب العثمانية الصفوية ، ولكن تغطيها الدبلوماسية الآن ، وأما إذا طوقت إيران تركيا بمثل هذه الخطوة فإنها ستدعو إلى تدخل تركي مؤكد ، لأن مصالحها ستكون مهددة ، وفي شبه حصار .
( 7 ) والكويت والسعودية والأردن وسوريا بخاصة ، والدول العربية الأخرى بعامة : ستعتبر هذا الهجوم الإيراني اختراقاً خطراً جداً للأمن العربي ، وستبذل ضغوطاً على الغرب للضغط على إيران للانسحاب ، ولن تسمح هذه الدول بأن تكون إيران على حدوها مباشرة ، حتى سوريا المتحالفة مع إيران لن تسمح بذلك إذا جد الجد ، وإذا سمحت فمعنى ذلك أن الحلف الإيراني السوري سيوصل إيران إلى البحر المتوسط ، وهذا تبدل إستراتيجي كبير يضاعف من جفلة أميركا وأوربا وبالتالي من ضغطهما على إيران للانسحاب ، بل إيران تعلم جيداً أن ذلك لعب بالنار ولعبة خطرة قد ترتد عليها ، ولن تفعلها ، وحتى تركيا ستنظر إلى الحلف السوري الإيراني على أنه إتمام لتطويق إيراني لتركيا من جميع جهاتها البرية وأنه خنق لها في المستقبل فتكون حربها مع إيران حتمية ، وتشتعل كل المنطقة في حرب ، وهذا الاحتمال رادع لإيران عن مثل هذا التفكير المجازف، بل حتى خطوة هتلر التي أشعلت الحرب العالمية كانت أهون من هذه ، والقضية ليست بهذا التبسيط الذي يصوره دعاة التوقيع على الاتفاقية ، وإيران تشكو من علل داخلية دائمة ومعارضة وانقسام في الصف السياسي ، وهي غير مؤهلة لخطوة هجومية احتلالية مهما طال لسان رئيسها وهدّد ، فإنه أول من يعلم أن كلامه هو للاستهلاك الإعلامي وإرضاء الغوغاء ، وأن المعادلات الإستراتيجية الإقليمية والعالمية تمنعه ويكون مصيره مصير الشاه وصدام حين تطاولا .
( 8 ) وعلى فرض أن الاحتلال الإيراني سيحصل : فإننا نقاومه بجهادٍ آخر كما قاومنا أميركا ، ومن موطنٍ أقوى ، لأن الدول العربية المجاورة المهدَدة بالخطر الإيراني ستعاوننا بالسلاح والمال والإيواء ، ولأن تلك الخطوة تكون موافقة لهوى دول العالم ، ولأن الجيش الإيراني أضعف من الجيش الأميركي ، وبذلك سنثخن فيه ونحطمه بإذن الله ، وستكون مهمة الجيش الإيراني آنذاك أعتى وأصعب من مهمة الجيش المصري في اليمن أيام عبد الناصر ، والدول تتذكر تلك الدروس ولن تجازف بسهولة .
ولماذا يجزم دعاة الاتفاقية بأن الجهاد ليس له مشروع ضد التدخل الإيراني لو انسحبت أميركا ؟ كلا ، للجهاد مشروعه وتصوره الكامل ، وأهم منه أن القلوب مستعدة لجهاد مستأنـَف ، وفي المقابل : أين مشروع العملية السياسية ؟ لا شيء وكل ما هنالك اعتماد مجرد على النجدة الأميركية الموهومة .
( 9 ) وتثار شبهة أن الشيعي والكردي عندئذ لا يقاتلان إيران ، وتكون المهمة على عاتق أهل السُنة فقط وهي أكثر مما يتحملون .. وهذه شبهة مردودة ولا تؤخذ على ظاهرها ، لأن الشيعي والكردي لا يقاتلان أميركا اليوم ، والجهاد مهمة سُنية فقط ، فما الفرق ؟ ولذلك نتحمل وحدنا جهاد إيران أيضاَ ، بل وربما يقاتلها الأكراد ، لأن مكتسباتهم الحالية تكون في خطر .
( 10 ) وعلى فرض أسوأ الاحتمالات : أن إيران تتمكن من الإضرار بالعراق عموما وبأهل السُنة خصوصاً : فإن ذلك يكون ثمناً مقبولاً نحتمله من أجل إنقاذ العالمين العربي والإسلامي من شرور الكبرياء الأميركية التي تريد أن تنطلق بعد العراق لتعيث فساداً في كل المنطقة ، وفي ذلك إنقاذ أيضاً للجهاد الفلسطيني وتمكينه من مواصلة دربه ضد إسرائيل ، وليكن العراق ضحية ، وليكن أهل السُنة ضحية لإنقاذ اُمة الإسلام ، بأن نمتنع عن توقيع الاتفاقية ونواصل الجهاد ونحقق جلاء أميركا ، فإذا حصل عند ذاك انكشاف خاصرتنا أمام إيران بغياب أميركا وطعنتنا إيران فإن ذلك من الأقدار الربانية التي نصبر عليها طالما استطعنا إجلاء أميركا ومنعها من استعمال القواعد والبقاء فيها ، ومقولة أن الخطر الإيراني أكبر من الخطر الأميركي مقولة صحيحة ، لكنها تصدق على العراق فقط ، وأما خطر أميركا على بقية البلاد العربية والإسلامية فهو خطر أكبر من الخطر الإيراني جزماً ، ولذلك نفدي بأنفسنا بقية الأمة الإسلامية ولا نكون أنانيين نوفر للعراق الأمن ونقوم بتصدير الخطر إلى أقطار الأمة .. كلا ، لا نفعل ذلك ، والتقوى الإيمانية تمنع ذلك ، ولن يبارك الله حياة اللؤماء .
( 11 ) إن الاستعانة بالكافر على المبتدع فيها بأس شرعي ، وهي الاستعانة الموقتة وقت حرب فعلية قائمة ، فكيف باستعانة دائمة حذراً من احتمال حرب؟ هذا شأنه أكبر وتكون الكراهة أو الحرمة أظهر ، وأما القول بأن البدعة الصفوية ستبقى إذا غزانا الإيراني بينما الأميركي يرحل فهذا صحيح ، ولكن احتمال هذا الغزو بعيد ، للأسباب التي أسلفنا ، ولن نقدم احتمالاً ضعيفاً على واقع جاثم أرهقنا وما زال يحطمنا ، مع أن لدى الأميركي بدعة أيضاً وما هو شر من البدعة، من الفلسفة المادية التي يريد أن يربينا عليها ويجعلها كمناهج لتربية أولادنا في مدارسنا ، وما يلحق ذلك من تطبيع مع إسرائيل يحقق اختراقاً اجتماعياً وفكرياً وليس اختراقاً سياسياً فقط .
( 12 ) أن هذا التخوف من إيران والذي يسيطر على دعاة توقيع الاتفاقية يتنافى مع فكرتهم الأخرى في التحالف مع الأحزاب الطائفية العراقية ، فبين الفكرتين تناقض غير مفسَّر ، لأن هذه الأحزاب هي من نفس جنس التكوين الإيراني ، وهويتهما مشتركة ، بل هذه الأحزاب هي تحت الهيمنة الإيرانية منذ أول تأسيسها وقبل الاحتلال وبعده وإلى الآن ، مما يدل ذلك على أن حماسة دعاة التوقيع في التحذير من الخطر الإيراني ليست صادقة ، وهي مجرد سلاح نفسي لتمرير الاتفاقية .
( 13 ) إن الأحزاب الطائفية العراقية تحاول اليوم التستر على علاقاتها مع إيران وتبعيتها لها ، وإذا غزت إيران العراق فستضطر هذه الأحزاب للجهر بتعاونها مع إيران ، وتتورط ورطة كبيرة من جراء ذلك تضعفها في المستقبل وتلغي قيادتها لجمهور شيعة العراق قبل غيرهم وقبل الإنكار العربي والعالمي عليهم ، ولذلك يمكننا تأويل الغزو الإيراني تأويلاً قدرياً بأنه حكمة من الله ويضرنا وقتياً ولكن يخدمنا في فضح طبيعة الأحزاب الطائفية وعمالتها ويزيل خطر سريان ثقة العرب والمسلمين بدعاوى هذه الأحزاب ومزاعمها في السعي لوحدة المسلمين والتقريب بين المذاهب ، وهذه منفعة إستراتيجية دائمة أو طويلة الأجل وثمنها أذى مؤقت فقط .
( 14 ) نعم ، كنا نقول قبل سنوات في أول الاحتلال الأميركي أن الاستعمار الإيراني هو في الميزان أشد من الاستعمار الأميركي ، لأننا كنا نخاف أن تتقن الأحزاب الطائفية العراقية عملها السياسي وتكون حكيمة ، ويزيدها الاحتلال الإيراني رسوخاً وقوة عند ذاك ، ولكن حصل خلاف ذلك ، وانفضحت الأحزاب الطائفية وارتكبت المجازر ولم تحسن ممارسة السياسة ونزلت عند مطالب الغوغاء وطاشت وتسرعت ولم تعرف قيمة الفرصة العظيمة التي اُتيحت لها ، فأسرعت إلى الثأريات والأعمال القبيحة قبل رسوخ قدمها ، وجهلت المنهجية والتخطيط ، فسقطت هيبتها وسمعتها وانتقض غزلها بسوء تصرفها ولجوئها إلى قطع الرؤوس من أجل تهجير أهل السُنة من بغداد وجعلها فدرالية شيعية بحكم الدستور ، وبذلك اختلف رأينا عما كان عليه من قبل ، فإن إيران لو غزتنا فإنها لا تستطيع أن تمنح الأحزاب الطائفية قوة ترجيحية ، وهذه الأحزاب هي في ورطة الآن ، وخطها تنازلي ، وتفقد جمهورها ، وسيطرتها الحالية هي سيطرة إرهاب بمعونة مستعمر ، وهذا حال لا يدوم ولا يخيفنا كما خفنا من قبل ، وكأن طيشها كان قدراً ربانياً لتضعف وإن تضررنا وقتياً .
بل كنا نخاف إيران نفسها : أن تكون حكيمة ، وتتصرف في العراق تصرّف السياسي الذكي الذي يقيم العلاقات ويجمع الأصدقاء ويطيل الأنفاسَ في التدسّس ، ولكنها كانت مثل الأحزاب الطائفية في الطيش وممارسة الاغتيالات ، وكان كل همها : الثأر السريع ، فجفل الجميع منها ، وما عادت تخيفنا ، والعلاقات التي أقامتها هي مع أطراف مكروهة في العراق ، وبذلك ضاعت الفرصة الذهبية منها ، وستكون الصفة الشعوبية الاستعمارية هي الصفة المستقرة في أذهان العراقيين عنها لو غزت العراق واحتلته ، لا صفةَ الفاتح المنقذ .
( 15 ) إن إيران لا تستطيع أن تقتحم العراق قسراً ، لأن ذلك يحرج الحوزة في النجف أيما إحراج ، ويكون كل شيعة العراق في موقف حرجٍ أيضاً ، أمام الرأي العالمي وفي العالم الإسلامي ، وسيستفز اقتحامها العروبيين من العشائر الشيعية والمستقلين من الساسة الشيعة ، ويتـولد تراجع كبير عن المكتسبات الحالية ، لأن العُرف يحتكر منصب الحوزة لرجل إيراني ، وعلي السيستاني إيراني وبدون جنسية عراقية ، والمظنون أن إيران تدرك كل ذلك ولن تسمح لنفسها بمثل هذه الخطوة البالغة الحساسية ، وإنما هو التدخل المخابراتي نصف العلني ، وهذا موجود الآن، ولن تمنعه أميركا إن بقيت في القواعد .
( 16 ) والعكس صحيح أيضاً ، أي أن الأحزاب الطائفية العراقية لن تستطيع الاستنجاد الصريح بإيران في المستقبل ، ولا أن تدعوها لدخول العراق ، لأنها تـنـتحر في هذه الحالة ، فالناس تأخذ عليها البدعة الصفوية والانحراف بالتشيع الأول ، وفكر علي شريعتي في ذلك يزداد رواجاً ويحرجها ، ثم أخذ عليها الناس ذهابها إلى البيت الأبيض وطلب النصرة الأميركية الكفرية ، ثم تأخذ عليها المذابح وقطع الرؤوس وحرق المساجد والأعمال الإجرامية ضد أهل السُنة ، فإذا اُضيف إلى هذه المآخذ تورطها في سياسة شعوبية جهاراً نهاراً ودعوتها إيران لدخول العراق فإن ذلك يقضي على البقية الباقية من سمعتها ، ولكنها ستطلب التدخل الإيراني المستور ، وذلك حاصلٌ الآن كما قلنا ولن توقفه الاتفاقية .
( 17 ) ولنفرض أن بعض الفوائد ستجلبها الاتفاقية ، في مجال دفع إيران أو غير ذلك : لكن لماذا تلوثون سمعة السياسة الإسلامية بتوقيعكم في الوقت الذي ستكون فيه الاتفاقية حقيقة واقعة بتواقيع غيركم وتحصل تلك الفوائد التي تزعمونها ؟ إن أبعد ما يكون من وجوه الصواب عند صحة هذا الافتراض أن نستقبل الاتفاقية على أنها من الأقدار ، ونتأول أن تعصمنا من غزو إيراني ، أما أن تتحمس السياسة الإسلامية لذلك وتجازف بوضع التوقيع وتجازف المجموعة البرلمانية الإسلامية بالموافقة عليها عند نقاشها وعرضها عليهم : فذلك خطأ محض ، ولا ضرورة للانحشار في زمرة الذين يوالون أميركا ويوقعون لأغراض أخرى تخصهم ، وشبهة أن التوقيع هو نوع من الولاء لكافر في الفقه الإيماني واردة ، والتقوى تأمر بالتعفف والتورع والتوقف في موطن خلافي تتداخل فيه الحجج ، والـمَخرج عند الفقهاء يكون بالاحتياط ، ومن استبرأ من الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه ، ولعِرض الدعوة وسمعتها ، ولعِرض أهل السُنة وتاريخهم ، ولعِرض الأحرار في العالم كله ، واختراق محارم الله بالظنون إثم ، وخذل الجهاد جُرم .
( 18 ) ويُلاحظ أن الاتفاقية نصّت على تسمية أعداء الأميركان الذين تقاتلهم وتستعين بالقوات المسلحة العراقية على قتالهم ، فذكرت القاعدة ، والمنظمات ، والخارجين على القانون ، وفلول النظام السابق ، ولكن الاتفاقية لم تذكر قتال جيش دولة مجاورة تغزو العراق أو تحتل بعض أجزائه ، فضلاً عن أن تذكر الخطر الإيراني بعينه واسمه ، مع أنه خطر شاخص ، وهذا يزيد من قناعتنا بأنها تعفي نفسها من هذه المسؤولية لو وقع اختراق إيراني لأرض العراق .
( 19 ) أن الصورة المتوقعة عندنا للتدخل الإيراني لا تكون بغزو ، بل أن تعلن المحافظات الجنوبية الشيعية في العراق قيام فدرالية بينها ، وهذه خطوة دستورية ليس لأميركا أن تعارضها ، بل هي تؤيدها جزماً ، ثم في فترة لاحقة تعلن هذه الفدرالية استقلالها ، وتتخذ فوراً خطوة الانضمام لإيران بالتراضي التام ، وعندئذ لا تملك أميركا وجهاً للاعتراض ، بل سيكون التأويل أنها خطوة ديمقراطية تمت بالتراضي ومن غير إكراه وتدخل عسكري ، ووجود الاتفاقية لا يوجب على أميركا الاعتراض على ذلك ، وسواء وجدت الاتفاقية أم لم توجد فإن السياق يشير إلى أن إيران ستنتظر الوقت الملائم لتنفيذ هذا السيناريو سلمياً وبدون حرب ، وعندئذ تنحصر أسباب الرفض الأميركي في سبب واحد هو نفط الجنوب ومصالحها فيه ، فقد ترفض وحدة الجنوب مع إيران إذا خرج عن سيطرتها ، وقد توافق على الوحدة إذا وقعت اتفاقيات دولية مع إيران تضمن امتيازاتها النفطية ، والمقصود أن الرفض الأميركي أو عكسه لا يتولد من أثر الاتفاقية الأمنية ، بل من تخمينات مصالحها الاقتصادية والنفطية ، وقد تعترض الكويت على هذه الوحدة ، والسعودية ، لأنها تجعل إيران على حدودهما مباشرة ، ولكن اعتراضهما لا يتعدى الطلب من أميركا أن ترفض الوحدة ، وعندئذ لا أحد يستطيع التنبؤ بالموقف الأميركي ، فإن السياسة كلها مخادعات وصفقات سرية ، وقد لا تستجيب أميركا لضغوط السعودية والكويت وتأذن لإيران بالمضي في وحدتها مع الفدرالية الجنوبية لفوائد تجنيها وتعقدها في الخفاء ، ولنتذكر أن سفيرة أميركا في العراق المدعوة " كلاسبي " قد سمحت لصدام باحتلال الكويت بالإيماء من خلال تصريح علني لها قالت فيه أنها تعتبر الخلاف العراقي الكويتي مسألة داخلية لا تهم أميركا ، فكان في ذلك إغراء لصدام ، كي يتورط ، لتأتي بجيوشها لتحتل المنطقة ، وقد حصل ذلك ، والمقصود أن أميركا باعت الكويت سابقاً ، وقد تبيعه ثانية .
( 20 ) إن الغرب عموماً وإسرائيل قد صبرا طويلاً وبذلا كثيراً حتى أوصلا الشمال الكردي إلى حالة ما قبل الاستقلال التي يحياها الآن ، فكيف يسمحان لإيران أن تنقض تدبيرهم وخطتهم الإستراتيجية في تحقيق استقلال الأكراد بحيث يأذنان لإيران باحتلال كل العراق ؟
وحتى إذا احتلت الوسط والجنوب فقط ولم تحتل الشمال : فإن ذلك يُعتبر تطويقاً للدولة الكردية العراقية من الجنوب ويتشكل خطر عظيم ، لأن إيران تطوقها أصلاً من الشرق ، وهي حليفة لسوريا التي تطوقها من الغرب ، ثم يزيد الأمر بتطويقها من الجنوب ، مع شدة التطويق التركي من الشمال .. !! هذا لن يحدث أبداً ، ليس فقط لأنّ أميركا ترفضه حتى لو انسحبت من العراق ، بل فرنسا وألمانيا ترفضانه على وجه الخصوص لأنهما الراعيتان للحركة الكردية منذ عقود، ثم إسرائيل لا تأذن ، والمقصود أن رفض الوجود الإيراني في العراق لا يستلزم وجود الاتفاقية الأمنية ، بل بدونها يحصل ذلك ، فتكون التنازلات العراقية لا لزوم لها .
والخلاصة : أن القضية شبيهة بوهدة الموافقة على الدستور ، وأن حجج دعاة التوقيع على الاتفاقية بزعم حماية العراق من غزو إيراني أو تدخلات إيرانية إنما هي حجج وهمية واهية لا يشهد لها الواقع ولا تؤيدها الفراسة ودراسات المستقبل ، وإقدام إيران على خطوة خطيرة كهذه هي محض انتحار ، إذ المعادلات الدولية والإقليمية والعربية ترفض ذلك ، وليست هذه الحجة التي يستعملها دعاة التوقيع ببعيدة عن جنس قضية الإعلام الأميركي الذي بالغ في تخويف دول الخليج سابقاً من ( البعبع ) الإيراني الشره المنهوم ، من أجل أن ترمي هذه الدول نفسها في حِضن أميركا وتعتمد في خطتها الأمنية الحمايةَ الأميركية ، وما يتبع ذلك من سيطرة سياسية ونفطية وتربوية ، فاليوم يتكرر هذا الأسلوب الإعلامي الأميركي ، وهناك عنصر لبق ذكي تشطح به وساوس التعاون مع أميركا يغري بقية المجموعة السياسية الإسلامية الطاهرة بطلب الحماية الأميركية من خلال الاتفاقية الأمنية لإبعاد شَبح هذا ( البعبع ) الذي هو أعجز من أن يقوم بغزو العراق ، والمجموعة السياسية واقعة تحت رهبة ما سلف من مجازر ، فانطلى عليها الكلام التخويفي بسبب إرهاقها النفسي المتراكم ، والواجب أن تنتبه إلى أن ذلك هو شبه مستحيل ، وأن الذي سيحصل هو التدخل المخابراتي الإيراني فقط ، ولن توقفه الاتفاقية ، بل الجهاد أجدر أن يتحمل هذه المهمة .
واللبيب يعلم من باب القياس أن تأيـيد قول رجال العملية السياسية في تجويز التوقيع خوفاً من احتلال إيراني يقود إليه الظن والتخمين : يفتح الباب العريض لتصديق مزاعم جميع رجال السياسة الواقعية في العالم الإسلامي وغيره في دعواهم ضرورة الحماية الأميركية لبلادهم إزاء خطر هجوم دولة مجاورة ، وهو التسويغ الذي حملهم على المبالغة في قبول الوصاية الأميركية عليهم ، مستحضرين سابقة الكويت وتحرير أميركا لها من قبضة صدام ، فحاكم الباكستان يخاف هجوم الهند ، والهند تخاف الصين ، وتركيا تخاف اليونان ، ومبارك يخاف إسرائيل ، والخليج يخاف إيران ، وأرتـريا تخـاف السودان ، والمغرب يخاف الجزائر ، وماليزيا تخاف تايلند ، وكأنّ أميركا فارس المروءة الذائد عن الحق ، والملاك الطاهر الذي ينتصر ويثأر للمظلوم ، وليست هي منبع الشرور ، ولا هي التي تفتعل الأزمات من أجل دعوتها لحلها ، فسريان المنطق الوهمي لساسة العراق هو اعترافٌ مباشر بصواب التفسير الأميركي للعولمة ، وبحكمةٍ واقعيةٍ يزعمها بقية الحكام هي انبطاحية في حقيقتها ، وذلك تحويلٌ للخطر المحلي إلى خطرٍ عام استراتيجي المدى ، بتسويغ إسلامي يعفي العلمانية من الحرج .
والمظنون أن روح الكبرياء والجدل ستوصل أولياء التوقيع إلى القول بأن أميركا قد تلعب لعبتها وتتفق مع إيران أو تغريها باحتلال العراق كما أغرت صدام باحتلال الكويت ، من أجل توريطها وضربها ، أو من أجل أن تحتل أميركا السعودية والخليج بزعم ردع إيران عن التوسع ، أو احتلال سوريا إذا رفضت الصلح مع إسرائيل ، فيكون تنفيذ الخطة الأميركية الأولى باحتلال المنطقة كلها لا العراق فقط .
فإن قالوها فقد أوقعوا أنفسهم في التناقض المنطقي الشنيع ، فإن حجتهم هي الخوف من هجوم إيراني وتكـليـف أميركا بالدفاع ، فكيف يكون حاميها حراميها ؟
هذا يعني أن جميع كلامنا صحيح ، وأن أميركا لا تؤتمن وليست جديرة بحراستنا .
وكانت أميركا قد وعدت بتعديل الدستور كثمن لموافقة رجال العملية السياسية عليه ، ثم نكثت ، فوعودها بحراستنا من إيران جوفاء أيضاً ، مع أنها لم تعِد حتى الآن ، وإنما هي خيالات أصحابنا .
ولولا طروء التأولات وهجمة الشبهات لما احتجنا إلى هذا الرد المنطقي الطويل ، لأن صاحب الوجهة الشرعية الواضحة يكفيه سطرٌ واحد ، فإن المادة الرابعة في الاتفاقية تجيز إقامة القواعد لقتال المجاهدين ، وذلك يكفي في قيام حكم الحُرمة ، لأنّ العدو احتلنا قسراً ، فهو معتدٍ علينا ، ولا يجوز تمكينه ، قولاً فصلاً بإجماع الفقهاء ، وأما فتوى تجويز تقليل شروره فذلك فيما إذا أراد الانسحاب المتدرج وتأمين ظهره ، فيجوز الترفق معه على وجه الاستثناء ، لأن جلاءه يكون قريباً ، وأما هذه المعاهدة فلترسيخ البقاء وتطويل وقت السيـطرة ، فاختـلفت عِلّة الفتوى ، فتكون هَدراً ، ويرجع الحكم إلى أصل الـحُرمة ، وأما الاعتذار بالضعف فسببٌ غير مؤكد ، لأن الجهاد ما يزال ممكناً ، ولم نستنفذ كل وُسعنا وجُهدنا فيه ، ومن ثـَمّ لا يجوز اعتقاد الضعف والعجز ، ويبقى التكليف بدفع العدوان قائماً ويشكل حُجة على مَن يُلقي السلاح .
q لكنّ حَدّ السيف أعرض من عرصات الحَيرة
¨ وكان من الممكن التعايش مع المنطق السلمي واحتماله أملاً في الإصلاح والتبديل الرفيق من خلال الموعظة الحسنة ، ولكن بلوغ رجال العملية السلمية إلى اعتقاد صواب التوقيع على الاتفاقية الأمنية على الرغم من كل أسوائها : ينبغي أن يدفع إلى موقفٍ جديدٍ للدعوة الإسلامية في العراق ، وانطلاقاً من الشعور بإزالة الحرج : يجب أن تلجأ الحركة الإسلامية في العراق إلى الانطلاق في الميدان ومحاولتها تمثيل الأصالة الدعوية وإبراز نموذج جيد جديد فعّال للعملية السياسية .
إن ظروف التحول الكبير والسريع في الواقع العراقي أدى بالحركة الإسلامية إلى ترجيح السكوت وبلع القضية حرصاً على وحدة الموقف الإسلامي ، وزادوا على ذلك بأن بعثوا دعاتهم للمشاركة في الخير ، فلما استرسل المنطق السلمي حصلت لهم جفلة وإحراجات ، وعندما بلغ الأمر الذروة بتسويغ منطق التوقيع على الاتفاقية صارت الصراحة واجبة ، توجب رجوع الحركة الإسلامية إلى النشاط ومحاولة الاستدراك والوفاء للمعنى الدعوي الأصيل المتفق مع فكرها الحركي ، والذي حاز ثقة المخلصين أينما وجدوا ، وهذا التغيير إنما هو انتفاضة سيكون لها شأن ، لاستنادها إلى تاريخ ناصع للحركة ، وإلى حكمةٍ عُرفوا بها ، ونمطٍ تربوي ، وفهمٍ وسطي ، ورضا يستولي على كل منصف صحيح العقيدة بأن يقوده دعاة هذه الجماعة الطاهرة النقية التي تنـطلق من الإيمان ، وإليه تعود ، معززة بالتجربة والخبرة والأداء التخطيطي المنهجي ومحروسة برقابة الفقهاء .
ولكنّ عُنف قضية التوقيع على الاتفاقية لا يعني التوقف في سرد حكايات المنطق المتساهل الذي توغلنا في نقده ، وبيان وجوه الأخطـاء فيه ، لأن الفتق أكبر ، وتبقى الحاجة لمحاصرة القول الليّن .
فمن ذلك قولهم بوجود مشاريع إسلامية أخرى يرجون من ورائها دخول الجنة تماثل أجر الجهاد ، ومن ذلك مشروعهم السياسي ، ولذلك لا مجـال لنقدهم .. وهذا صوابٌ اعتراه تدليسٌ ووهم ، فإن قضية التكامل قد قررناها ، وعرفنا أبعادها ، وأن مِن شرطها : الكلام الصريح في الإنكار على منكر الاستعمار والفساد الحكومي والطائفي ، ولكن في المسألة التفاف من ناحية أخرى على معنى الجهاد من ناحية أنه ( واجب الوقت ) في التقويم الشرعي له ، فإن عدة واجبات شرعية تصطف في نسق ، لكن واحداً منها يتميز في حالة من الحالات بأنه واجب الوقت ، أي قضية المرحلة وأن الحاجة إليه مُلحّة ، فيكون أهم من غيره وأوجب ، والمرحلة مرحلة جهاد ، فهي أوسع أبواب الجنة للمسلم طالما هناك وجود عسكري أميركي ، والأمور الأخرى واجبة ، لكن بدرجة أقل ، والإنكار السياسي من هذا القبيل ، واجب ، لكنه بمنزلة تلي القتال لأنه تكميل ، ثم التـقـدير متعلق بقـضية السـرعة في الأداء أيـضاً ، استـنـباطاً من الآية الكريمة " وَعَجلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " طه : 84 ، وأما الأداء المتأخر فمرجوح وأقل أجراً ، لاحتمال ضعف التأثير ، وليس من أثر كبير للضرب إذا حصل بعد ترسيخ المستعمر لأقدامه ، وإنما أوفى التأثير يكون عندما نضربه وهو لا زال بعدُ في قلقه وحيرته ، والقيادة الأميركية الآن في مرحلة هذه الحيرة وتعصف بها احتمالات الانسحاب من خلال ضغط شعبها عليها ووضوح كثرة الخسائر ومناظر المعوقين بسبب الحرب ، ولذلك فإن هذا هو أوان الجهاد ، وهو العمل النافذ ، وهو أرجح من العمل السياسي الذي يتحول فيما بعد إلى مجرد استعطافٍ ورجاءٍ وتوسل إذا استتر المستعمر في القواعد استناداً إلى حق مؤكد في القانون الدولي توفره المعاهدة الأمنية ، ومن هنا نخشى أن يكون الإبطاء عن واجب الوقت سبب إبطاء في الآخرة عندما تسير القوافل إلى الجنة ، فالشهداء يركضون ، ومن لم ينل الشهادة من المجاهدين يهرول ، وأما السياسي الشجاع فيمشي ، لكن السياسي الخافت الصوت يزحف حبواً ، إذا صدقت النوايا .. نعم ، رُبّ وقفة عصماء لسياسي هي أجدى من قتال موسم ، لكن هذا في النادر ، ومن بطل أكبر من رجال السياق الذي ننـتـقده .
وهذه الأخطاء سوغت لهم الانفراد في الرأي واتخاذ الموقف دون المرجعية الدعوية ورقابتها ، وحجتهم أنهم وجدوا أنفسهم في مشروعٍ واسع أكبر من الجهاد والمقاومة ، فيصير الانفراد نتيجة طبيعية ، وليس كذلك الوزن ، فإن الأمور لا تقاس بالأحجام والمساحات وعلو صوت الضوضاء ، وإنما بالوزن النوعي ودرجة الصلابة المعدنية ، والجهاد بهذا الاعتبار أثقل ، وكتلته أكثف .
وتفريعاً على هذا الوهم وتخريجاً عليه يفهمون أن الذي يلبث مع العمل الدعوي والنمط التربوي يبقى متعطلاً عن الفاعلية ، لأنه لا يحتل وظيفة في المشروع السياسي الذي هو مظنة الإنتاج والتأثير وإقامة العلاقات وتحصيل نسبة من الفوائد التي توزع وتتقاسمها الأطراف الحاضرة في الساحة ، وأما الداعية التربوي فغائبٌ ومحروم ويفقره الزهد ، وهذا التصور الغريب إنما تسببه اختلافات المقاييس والموازين ، والصواب يكون مع مَن يشهد له الفقه وتصدّقه المنهجية التخطيطية وقواعد تقاسم الأدوار والتوزيع الميداني التعبوي إلى ميمنة وقلبٍ وميسرة وثلة احتياط ورؤوس نفيضة واستدراكات ساقة ، أو معادلات التكامل الاستراتيجي ورعاية عمق المستقبل والحفاظ على مكتسبات الماضي وعناصر الأصالة وسيطرة الفكر ومفاد العقيدة وتحديدات الشرع ، والعمل الدعوي عند قياسه بهذه الاعتبارات كلها مقروناً بنمطه التربوي هو المعمل الخلفي لإنتاج الرجال الثقات الذين يحركون العملية السياسية ، وهناك فقط يكون الإمداد وضمان الجودة النوعية والوفاء والتجرد وحراسة الـمُثل العليا والثوابت والجذور ، فالأهمية تكمن فيه ، والبركة تبدأ نزولها عنده ، والمشاريع تتصاغر أمام مشروعه الجبار وصناعاته الثقيلة وخلفياته المنجمية التعدينية ، وهو الأب والجد ، وغيره ولدٌ وحفيد ، وهو النقطة التي تتحرك فتستقيم وتستدير فتكون خطوطاً ترسم اللوحة ، وغيره الألوان ، ثم هو المِرجَل الذي يفور فيولّد الحرارة والطاقة ، وذنبه أنه صامت مستتر وراء الجدران ، ولن يضل سياسي سليم القلب مرة أخرى بعد هذا البيان .. !
وللانطباعات النفسية الوهمية أثر في اعتقاد رجال العملية السياسية أهمية لإنجازهم الصغير ويحسبونه عظيماً ، وذلك أن من منهجية المستعمر اعتقال كثرة من المظلومين بلا سبب ، فتكون وساطات رجال العملية السياسية لإخراجهم ويطلبون من سلطة الاحتلال إطلاق سراح بعضهم ، فتستجيب ، مرة بعد مرة ، حتى تتراكم ، فيكون ظنهم أنهم حققوا نجاحاً كبيراً ، ويزداد اعتقادهم بأن جدوى الممارسة السياسية أرجح من جدوى الجهاد ، وهذا إلقاءٌ نفسي محض هو من شاكلة ما يستعمله أطباء النفس مع بعض مرضاهم ، أو هو مثل طريقة بعض التجار ، يضع سعر 99 على بضاعة ، فينطبع في داخل نفس المشتري أنه اشترى بتسعين وشيء وليس بمائة ، ويعد ذلك من التنزيلات .
ولما اُوذي الساسة الإسلاميون عند استعار الهجمة الطائفية وظهور غلواء جيش المهدي : دافعت المقاومة الجهادية عن مناطقهم ووفرت الحماية ، قياماً بالواجب ونصرة للمظلوم وذوداً عن عملِ شقيقٍ وضعته نظرية التكامل في الرهط السياسي ، فكان ذلك مدعاةً لأن يفهم الساسة أن المقاومة غايتها الدفاع عنهم ، ولم يفطنوا إلى أن غايتها الجهاد وقتال المستعمر ، وأن عملية الدفاع هذه كانت قضية عابرة مرحلية وضرورة وقتية ، وجزءٌ من سريان هذا الشعور يعود إلى ضبابية المعنى التخطيطي عندهم ، وخضوعهم لردود الفعل الواقعية دون تمييز لما هو أصيل وما هو عارض ، ولا يليق هذا التصور لمسلمٍ سائب يعمل فردياً فضلاً عن سياسي مرتبط ينشط جماعياً ، لأن الجهاد قضية واعية مدروسة ، وهو قرار دعوي مهدت له المشاورات والدراسات والمقارنات والموازنات المصلحية ، وفوائده أرجح من ضرائبه ، وينبغي أن يكون هو محور الخطط ، وأن يستمر حتى يبلغ هدفه بإخراج المستعمر ، ولا ينبغي إرخاص قيمته والهبوط به إلى معنى الحراسة ، بل هو عمل روحي عقائدي ، ونموذج فكري ، ونظرية سياسية ، إلا أنها غاضبة وتختار السمو والعفاف وتبالغ في البراءة من الكفار والخونة ، وتبلغ أقصى المدى في الولاء للدين وأهله من المؤمنين ، وتعتقد رجحان الحسم والمفاصلة والنصاعة والنمط المحض ، فتلبث مع الأصل وظاهر الشرع ، وترفض الاستثناء والتأول ، وتدور مع العزائم ، وتتعالى على الرُخَص ، وبكل ذلك صار الجهاد في سبيل الله أملَ المستضعفين ، ومنهج الأحرار ، وعنوان النُهاة عن المنكر ، وحيثما ظهر عَمُرَت أخلاق الإقدام والطموح والحزم والعزم ، ومتى صدح به الهتاف بانت معارج الصعود .
ومن أخطر الظواهر التي شوهدت في العمل السياسي حين يتعالى على الطريقة التربوية : أنه يكون فرصة لصعود الذي ينتمي إليه على كِبَر بعد تجاوز سن الشباب ، ولا يكون ربيب الاُسر التي تنفض الشاب وتعيد صياغته النفسية والفكرية والإيمانية ، ومثل هذا العنصر الذي لم يتدرج ولم يدخل أنفَه عجاج المؤخرة والقافلة السائرة الهادرة يكون رخواً أمام المغريات ومظاهر الاُبهة والدنيويات ، ويميل إلى تفضيل مشية الاستحياء والنمط البارد ، ولا يستسيغ المواقف الصلبة والسيرة الحارة اللاهبة ، فإذا كثرت نسبة مثل هؤلاء الداجنين في المجموعة السياسية : ضغطوا على قادتها تحت شعار الحكمة والتعقل والواقعية من أجل حملهم على المواقف الصلحية والتوفيقية والتمريرية التي تفتقد الطعم واللون والرائحة ، فيستجيب القادة لهم بتأويل الحرص على مواصلة انتمائهم ، وتبدأ مرحلة الهبوط التدريجي ، وتتدحرج نقطة الخط البياني نزولاً من بعد نشيد الاستعلاء ومفاصلات سيد قطب في ظلال القرآن ، وتلغي قرارات مؤتمر وهمي أفكار المؤتمر الخامس ، ويكون دخول النفق ، ويسمونه في لغة المتثاقلين إلى الأرض " الصالون السياسي " وتكون المجاملات على حساب القضية ، أو تكون المساومات عند لحظة ضعف الإيمان ، وما لمثل هذا استنفرت الدعوة أبناء الأمة في يوم المحنة ، بل أرادت لهم النمط العزيز الصلب ، والحل يبدأ بتولية القدماء الذين صقلهم التجريب والتدرج ، والجدد وظيفتهم الرفد والإعانة ، وهم الأعوان ، ونرفع عنهم المنع حين يفقهون فقط .
ومن سلبيات الذين لم يتخرجوا من مدرسة الشدائد من مثل هؤلاء : أنهم يتخذون من المصالح المتاحة في المحيط السياسي وفرص التوظيف للشباب طريقاً لصناعة ولاء شخصي لهم ، فيوظـفون حتى المعيب والنفعي ، وابن العم والقريب ، طرباً لمدحهم لهم وطلباً لتكوين سمعة شخصية ورصيد مستقبلي وتكوين رهط يضغطون بهم ويعاركون ويطلبون السهم الأوفى إذا كان يوم القسمة ، وأما الداعية الواعي المرابط على ثغرة فإنهم ينسونه ويمنعون الوظيفة عنه ، بسبب ما يملك من لسانِ النصيحة والأمر بالمعروف والنقد البنّاء ، ومع الأيام ، ومن خلال الدبيب الصامت : يزداد حجم ثلة الطارئين في الكتلة السياسية الإسلامية ، وتفوق نسبتهم العددية نسبة الرواد والجيل الفريد الذي عركته الأيام ، فتبدأ التحزبات داخل عمل بدأ إيمانياً متجرداً ، وذلك هو مكمن الخطر ، لما فيه من احتمال الفتن والانحراف عن الأصالة الدعوية ، وهذه الملاحظة هي التي أوجبت اليوم ومع ملابسات الاتفاقية الأمنية أن يتنادى الروّاد لاختراع حلٍ ومخرجٍ من الورطة ، والاعتصام باسم وفكر وتراث الحركة الإسلامية .
وواضح أن للسلبيات عدوى تقود إلى استطراد ظاهرة المقياس المصلحي ، فإن بعض الشباب تهزهم الوسوسة الشيطانية فيبدأ يفكر بوظيفة تتيح له الراتب التقاعدي بعد أن كان متوكلاً على الله تعالى قانعاً براتب وظيفته الدعوية ، لما يراه من فقر المتجرد وبحبوحة السياسي وأنصاره ، ولمطالب الزوجات أثر في هذه الوسوسة ، وتمنيات أطفاله ، وهو في لحظة الغفلة قد ينسى حكمة ظواهر حياة المؤمنين والنظر إلى سيرة النبي r وما كان عليه من الفقر والتجرد ، وأنه كان في جميع مراحل حياته مشغولاً بقضية الإسلام ، وعاش فقيراً وليس في بيته غير التمر والماء في أغلب الأيام ، ومات ودرعه مرهونة ، واستشهد أصحابه من الأبطال وليس لهم كفن غير الإزار ، كمثل مصعب بن عمير t وقد كان في شبابه مترفاً لا يلبس غير الحرير ، وكذلك أجيال المسلمين في حقب التاريخ المتعاقبة ، إنما قادهم الفقراء من الفقهاء والمجاهدين ، وزهد الإمام أحمد بن حنبل أوضح في مثل ذلك .
فإن لم تسعف نفحات الذكرى الطيبة ذاك الداعية حين هجوم الوسوسة عليه : فقد يتراجع حاله ويتغير طبعه ، فيكون منه إذا توظف ونال درجةً ضمن توزيعات العملية السياسية أن يتعالى على الداعية الذي رباه ، حتى يتجرأ أن يقول له إذا طلب منه عملاً تربوياً : عندي شغل مع مكاتب العملية السياسية ، ولا أستطيع ، ويحاول التملص من سمته القديم المبارك ، وذلك من الاستدراج والعياذ بالله ، والسهو عن الموازين الدعوية ، وإبطائه هذا هو في العرف الدعوي ملحق بالكبائر ، وورود الاستنكاف من العمل التربوي على لسانه مؤشر على أن القلب قد لعبَ وتعبَ ونضبَ واضطربَ نبضُه ، وأن الشراع قد انخرق ، وصيحة " كلاّ " عند ذاك تكون واجبة من كل وفيٍّ مستقيم الوجهة محافظ على السمت والهَدي الدعوي المعهود ، بالحسنى وبلا ضوضاء ، من أجل تمكين الحياة الإسلامية أن تدأب في حركتها بعد خَدَرٍ اعتراها فلانتْ ثم هَانت وغزاها تكفيري وشوّه سمعتها كل حسودٍ ونزقٍ ممن تثقلهم الترهات وأخلاق الفسوق ويزايد علينا بلا تقوى تردعه عن الكذب والمبالغة والاختلاق .
q معايشة العُصاة ... تقلِبُ القلبَ حَصاة
¨ ولو أننا التزمنا الإنصاف في تحليل هذه الظاهرة السلبية التي صرعت جمهرةً من الدعاة ومالت بهم إلى الدنيويات لوجدنا بوضوح أن القضية قضية قيادية بالدرجة الأولى ، فأكثر الدعاة في الطبقة التنفيذية يُقادون ، وهم أبرياء من قصد السوء ، وإنما شأنهم التقليد ، وحين يرون الظرف قد استبدت به الأفكار الخاطئة والأساليب اللينة فإنهم يسايرونها بالتدريج ، فالمتهم هو البيئة ووجود أنفار يغرون ويفلسفون اللين ولهم غرام بالمرجوح وبالرُخَص ، ويكرهون التضحيات ، وهذه حالات نفسية تتولد من المخالطة للمتردية والنطيحة وما أكل السبع في المحيط السياسي الذي دخله من هَبّ ودَبّ تحت غطاء الديمقراطية ، فالنجي يوسوس ، والخليل يؤثر ، بل المنظر المرئي الصامت يوحي بالمعاني عند تكرره ، وكل ذلك موجود في قاعة البرلمان والولائم الحزبية وأثناء التفاوضات ، فضلاً عن جلسات اللغو الهامشية ، فضلاً عن مقارفة التكلّفات الإعلامية في سجال الفضائيات والصحف ، فتدب الغفلة ، ويشيع مبدأ " حشرٌ مع الناس " وتصير قضية " الفوز في الانتخابات " البرلمانية والبلدية وفي مجالس المحافظات هي الهدف والغاية القصوى ، ويحصل الاختباء وراء الرموز العشائرية والأسماء غير الصريحة من أجل تحقيق الفوز ، وبتأويل ضرورة كسب الأصوات ينفطم لسانهم عن ذكر موازين الإيمان والفقه ، وعن التبشير الإسلامي والفكر القرآني ، ويصير الكلام سياسياً فقط ، وفي المنافع العاجلة ، فنـتمنى أن نسمع قائداً من رجال العملية السياسية الإسلامية يخطب في العراقيين بمثل خطبة خطيب الأنبياء شعيب u يضع فيها النقاط على الحروف ويقترف الصراحة في الإشارة إلى أصل الإجرام والانحراف : فلا نجد ، ويخيب أملنا ، أو مثل خطبة مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه فاستتر خلف الأفكار الإنسانية العامة ولغة الأحرار في النكير على الاستعمار : فلا نسمع ، لأنّ سَمَر بعد منتصف الليل أدّى إلى تصنيف الجهاد ودعاته وعاشقيه ورواده ومعتقديه ومؤيديه في صنف الممنوعات الخطرة ، فلا يقربونه حتى ولا بالإيماء ، وإذا سعت اتفاقية أمنية إلى محاربته فإنها لا تحرك فيهم عَصَباً ولا يرتجف منهم الفؤاد ، ويميلون إلى التمرير إن لم يكن التوقيع ، وهذه كلها أنماط من الانتكاس الروحي وتبعية عتاة الخونة من حيث لا يفطنون ، وهي البيئة التي أوصلت لها السياسة الواقعية عندما تخـلّت عن الصلابة والصراحة ، وهي المسؤولة جزماً عن توريط جمهرة الدعاة الثقات في دخول درب التنـافس الدنيـوي واستيلاء الوسوسة عليهم ، وهم ضحايا أبرياء من قصد السوء ، ولكن إغراء المنظر دعاهم للمتابعة والانخراط في السباق الهازل بعد دهور الفقر والحرمان ، ولكن العفاف كان هو الثمن ، وتجميد الفكر الأول القديم ، ونسيان الأخرويات ، والتشبّه بأدنى الناس منزلة ، وليس اتخاذ الأبطال والفقهاء قدوة واُسوة ، وما زالت بقية التربية الإيمانية تدفع بعضهم لاعتراض ، ولكن عنف الرد يحملهم على السكوت .
فذلك هو الذي يوجب الاستدراك ، والعمل بخطة الطوارئ الإنقاذية ، والانتشال من وهدة الصمت بإحياء الفروسية ، وهي واجب الوقت وبداية الإصلاح ، والقضية قضية تغيير قيادي في جوهرها ، وأما السواد الأعظم من الدعاة فهم على سنن الوفاء ، وما كانت غير الغفلات وشرود القلب عن المعاني الأصولية عندما سكت الواعظ المربي ونطقت الفُرَص ، وبصيحة إيمانية واحدة يعود هذا السواد إلى عهده الأول ، وترجع عروقه المسترخية إلى وتيرة الحركة والتأثير ومجانسة المشاعر الدعوية في العالم التي تنتظر منه إنجازاً يرفع الرأس ونباهي به الأعداء .
هناك تنظير جديد سياسي حزبي يخالف فهم الدعوة المعروف الموروث كابراً عن كابر ، وقد تولدت ازدواجية فكرية في الدار الدعوية ، ولا بُدّ من تصفية المفاهيم والموازين قبل كل شيء ، والحفاظ على الثوابت ، وغربلة كل اجتهادٍ جديدٍ وتصنيفه في قائمة المتغيرات النسبية التي ليس لها صفة الدوام وإنما تحكم عليها نتائجها ويقرر مدى صوابها مردودها نفسه ، لأن الثوابت قضايا عقائدية وشرعية ، وإذا اقترنت بضررٍ فنتأول أن ذلك هو شأن القَدَر الرباني الخفي ، ولحكمة يريدها الله لم تتمحض في شكل مصلحة ، وأما المتغيرات فنتوجّه بالتهمة لها ونزنها بمقدار فوائدها المرئية المحسوسة ، ولا نلتمس لها في الأقدار عُذراً ، وهذا ميزان هو غاية في الأهمية لم يستـوعبه أكثـر الدعاة وما زال الغموض يكتنفه ، ولذلك لا بُدّ لنا من مراجعة نقدية تمحيـصية لسيرتنا في السنوات الأخيرة ، وفحصها ، وامتلاك شجاعة في الإشارة إلى الخطأ مهما علت أسماء مرتكبيه ، فإن سمعتنا في حرج ، والألسنة تلوك بحقٍ مختلط بالباطل ، فإن حصل الإصرار على الخطأ من البعض لم نأس على تركهم صف الدعوة ولواذهم بأسماء جديدة ، لأن شبهة انقسام الصف الإسلامي التي يجفل منها الأتقياء منا من خلال حرصهم على وحدة الصفوف تنقضها احتمالات صدود الأجيال الصاعدة عن الدعوة بسبب مقالات السوء والأفكار الرخوة وتناقضات المواقف الحائرة ، فمن بعد معارضة الدستور كانت الموافقة عليه ، ومن بعد تمييز مناكر في الاتفاقية الأمنية يكون زعم وجودنا فيها أصوب من معارضتها ، وفي التجانس معها تقليل لوجوه الشر التي تحاول أميركا فرضها علينا ... !!
وأي قيمة لشرور ثانوية نتملص منها إذا كان أصل الشر الأكبر باقياً ومتمثلاً في وجود القواعد وضرب كل أنواع الجهاد وتسخير القوات المسلحة العراقية للمشاركة في الضرب ؟؟
بل كانت أميركا في حالة حرج شديد ، لأن أصل غزوها للعراق لم يكتسب شرعية دولية عبر الأمم المتحدة ، ثم منحتها المساجلات والقرارات الدولية فرصة الاستمرار في الاحتلال حتى نهاية سنة 2008 فقط ، وكانت ستضطر إلى الانسحاب أو مواجهة النكير العالمي الدولي عليها ، فجاءت الاتفاقية لتنقذها وتحول احتلالها إلى عمل قانوني وفق قواعد العقود ويتوفر فيه عنصر الإيجاب والقبول والتراضي .. !
وماذا يرجو المسلم من أخلاق الرئيس بوش وهو الذي افتعل قضية 11 سبتمبر والهجوم على أبراج نيويورك وقامت الدلائل الكثيرة المؤكدة على أمره لجواسيس استخباراته الأميركية بمساعدة الخاطفين على ركوب الطائرات وتحقيق خطتهم ، ليتسنى له أن يحارب الإرهاب ويغزو العراق والأفغان ويضيق على السودان وأحرار فلسطين ؟ بل هناك دلائل على أن رجال المخابرات الأميركية هم الذين ابتكروا خطة الهجوم بالطائرات على الأبراج ثم أوحوها إلى شباب أغرار ووعدوهم بالمساعدة في التنفيذ ، وانطلت الخدعة على هؤلاء الشباب الذين لم تنضجهم التجربة وأتاحوا لبوش استثمار حالة النقمة العالمية على هذا الفعل الغريب ، والقرينة تؤيد ذلك ، فإن كل موظفي مركز التجارة العالمية في البُرجين هم من بلاد العالم التي تتاجر مع أميركا ، وليس فيهم أميركي ، وإنما رجال الإنقاذ والإطفاء والدفاع المدني فقط هم من مات من الأميركان في تلك الحادثة لأنهم لم يتوقعوا انهيار البرجين بتلك السرعة ، فقائد كهذا يستهتر بأرواح الناس ويفتعل الجريمة لمنح غطاء لخطته الخبيثة : كيف نثق بتوقيع وكلائه .. !! بل قائد يستعمل القنبلة النووية النيوترونية المحرمة دولياً في معركة مطار بغداد آخر أيام الغزو كيف تأذن لنا قلوبنا أن نعتقد أنه سيحترم الاتفاقية ولا يتخذها مرحلة لتمتين سيطرته على العراق والبقاء الدائم فيه وارتكاب أبشع أنواع الجرائم لاستمرار جثمته وإرهاب دول المنطقة وتقديم حماية لإسرائيل من ملابسات المستقبل المقترنة بنمو الدعوة الإسلامية ؟
وهذه النقطة بالذات هي نقطة جوهرية تدعونا إلى التشديد في إحياء معاني الجهاد ونصرة المجاهدين العراقيين ودعمهم وإسنادهم بكل أنواع الإسناد ، فإن جيل الجهاد العراقي المعاصر المبارك ضد أميركا يُراد له أن يعضد ويخدم جيل الجهاد الفلسطيني السائر في خطوات تصاعدية ميمونة ، فإن إسرائيل قد اقترب يومها ، وترهقها مشاكلها والهجرة العكسية منها وفساد حاكميها ، والوعد القرآني يؤكد أن تكون الغلبة لنا إن شاء الله وأن نجوس خلال ديارهم ، ويكون وعداً مفعولاً ، والذي عنده إيمان عميق بالله هو على يـقين من قرب حصول ذلك ، والدعوة الإسلامية في كل مكان تتقدم في تحشيد أنصارها والتبشير بأفكارها ، وهي حثيثة السير نحو التمكين بإذن الله ، والقيادة الدعوية في العراق عليها أن توقن أن مهمتها كبيرة ، وأن جهاد الأميركان هو واجبها الأصغر الذي يدربها على الجهاد الأكبر في فلسطين وتحرير القدس ، والتأمل التخطيطي الموزون بالفـهـم المنـهجي يقود إلى الجـزم بأن هذا هو الوقت المضبـوط الصحيح لنـزول الحركة الإسلامية إلى الساحة السياسية ، توافقاً مع الأحاسيس الرافضة للاتفاقية الأمنية ، وكون الدعاة تحت تأنيب الورع الذي تربوا عليه واستيلاء الشك عليهم من صواب مزعوم في التوقيع على الاتفاقية ، وتوازياً مع الموجة الجديدة في التدين وعمران المساجد ورجوع الناس إلى الله تعالى ، وبإمكان التربية الوسطية الأصيلة الصميمة إعادة روح التضحية والتجرد والبذل إلى هؤلاء الناس الذين تعبوا من عنف الرد الأميركي والطائفي فتأففوا وفاهوا بهَذَر المرهَقين ثم عادوا إلى أصالتهم بعد قسط الراحة ، والاستنتاج الأخير اليوم لدى كل عاقل فاحص لتطور الأحداث : أن الجهاد هو الحل الوحيد ، كأمر رباني ، ومفاد منطقي عقلاني ، وأن الجثمة الأميركية إذا طالت فستُهلك الحرث والنسل ، وهي قد أهلكته في السنوات الخمس وأثناء الحصار ، ولكن تـُجهِز على البقية الباقية .
ووسواس النفوس التي يوهمها الشيطان أن أميركا دولة قوية لا تـُقهر : أصبحَ مفضوحاً اليوم ، إذ ليس هناك شرٌ يدوم ولا تفلّه عزائم المصلحين ، بل له مُدة وأجل معلوم ، لأن طاغية مثل الرئيس الأميركي إنما هو أسير " حقيقته النفسية " التي خلقه الله عليها ، وفي النفس غرور وكبرياء تتضاعف عند الوصول إلى ذروة القوة ، وهذا الغرور هو الذي يُسبّب الخطوة الخطأ والقرار الـمُهلِك ، ومن الأمثلة عليه ، الواضحة في التـاريخ : توسعات نابليون بعد لذة النصر الأولى ، واستطراده ، فانهزم في النهاية .. وقرار هتلر بفتح الجبهة الروسية بعد سيطرته على فرنسا وقصفه المتواصل لبريطانيا ، فكان في ذلك هلاكه .. واليوم فعلها بوش في العراق ، وأرهق الاقتـصاد الأميركي ، وزاد في تـلويث سمعة بلده ، وأتعبَ الشعبَ الأميركي ، وكل ذلك نخرٌ في عوامل التفوق .
ولتفهيم هذه المسألة نضرب مثالاً لشخصٍ يثري ويتسلط اجتماعياً ، يصيبه الغرور فيتعالى على الناس ويخوض معهم المعارك .. ماذا تكون النتيجة ؟ يفقد الوفاق مع زوجته وتطلب الطلاق ، وينشغل عن تربية أولاده فيفسدون ويفشلون اجتماعياً ، ويلتـهي عن تجارته فتكسد ، وينبذه الناس ، ويتبرأ منه أقاربه ، ويعيش في قلق من انتقام أعدائه ، وأسواء أخرى تعصف به حتى ينهار أو يغتاله عدو ، وحياة قادة المافيا من هذا القبيل ، ويجمع أحدهم المليارات ثم لا يقنع ويسترسل في الطيش .
الآن سجّل هذا على السبورة وانتقل لفحص قضية بوش في احتلاله العراق : أرهق الميزانية الأميركية فأعطى فرصة لتقدم الصين وأوربا على بلده ، وجعل الشعوب تجفل من فكرة العولمة ، والأحرار يستيقظون ، واستعادت روسيا بعض عافيتها بعد أن ترنحت ، وأتلف نفسيات الشعب الأميركي ، وانشغل عن مواصلة التنمية في بلده ، والتعليم بخاصة ، وتلك ثغرة إستراتيجية كبرى ، وانهارت أسعار العقارات والبورصة انهياراً عظيماً نتيجة خوف الناس من المستقبل وإعراضهم عن تأجير البيوت الغالية واختيارهم اقتصاد الضرورة من بعد ما توسعت البنوك في اختيار اقتصاد الرفاهية وأقامت المشاريع التي كسدت ، وكل ذلك اقترن بتردي نفسيات جنود جيشه بعد أن خدعهم بنزهةٍ في العراق واستقبالٍ بالورود ، وصارت التوابيت تترى ، في سلبيات أخرى ستظل تنحت من قدرة أميركا على إدامة التفوق وحراسة مكتسبات العولمة الاحتكارية ، ومن هنا فإن الجهاد العراقي إذا استطاع أن يُديم وتيرته القتالية الجادة ويربي المجاهدين على الصبر لسنوات أخرى : فإن السلبيات ستتراكم على باب البيت الأبيض وتجعل أميركا تجثو على ركبتيها من الإرهاق ويكون قرار الانسحاب ، فيكون التلاوم في داخل صفوفها السياسية والفكرية ، ويحصل الاختلاف ، ويتفاقم الصراع بين حزبيها ، ولن تنجح أمةٌ تنقسم ، بل تشرع تفقد مكتسباتها .. وهذا السياق والسيناريو يستطيع أن يدركه من آتاه الله بصيرةً في معرفة النفس وصفاتها وخطورة رعوناتها ، والمثال الأميركي واضح في ذلك ، واحتل مكانه في التاريخ كشاهدٍ على حصول القرار المهلك بسبب إغراء النفس لذي الطيش والكبرياء ، وكانت مسيرة التفوق الأميركي قد تطلبت رحلة طالت ثمانين سنة من حين بدايتها بعد الحرب العالمية الأولى ، وأحرق الرؤساء روزفلت وترومان وآيزنهاور أعصابهم من أجل جعلها الدولة الأولى في العالم ، مروراً برؤساء آخرين ، ثم استلمها بوش ، فطاش وأوردها موارد الهـلكة وغامر وبدّد بغبائه ما جمعه الأذكياء ، وهو إلى صفة رجل المافيا أقرب من صفة رجل دولة .. ! وأنا أقرأ صفحات الأقدار الربانية قراءة أخرى ، وأرى أن الشيوعية العاتية قد وصلت إلى السلطة خلال الحرب العالمية الأولى ، وصارت الإنسانية مهددة بترسيخ الإلحاد ومحاربة الأديان ، فألهم الله أميركا أن تبدأ رحلة الصعود بعد تلك الحرب ، وأن ترشح نفسها لمنازلة الشيوعية ، واستمرت حتى تمكنت من ذلك وحطمت الاتحاد السوفيتي ، ولما فرغت من مهمتها القَدَرية : لم يعد لوجودها المتميز سبب ، وكتب الله أن ترجع إلى عداد الدول العادية ، فأتاح لشخص عديم الثقافة أن يكون الرئيس ، فحشرها في المتاهة ودرب النزول بعد ذاك الصعود ، وخلال ذلك نمت الدعوة الإسلامية حتى أصبح المستقبل محجوزاً لها بإذن الله ، وأصبح التفكير بمحق إسرائيل ممكناً ، لانشغال حليفها الأميركي عنها في السنوات القادمة ، ولذلك فإن الجهاد العراقي قد اختارته الأقدار الربانية أن يكون هو الميدان التدريبي للمعركة مع اليهود ، ويكون الجندي فيه قد اكتسب المؤهلات لأن يكون قيادياً في معركة الأمة الكبرى مع إسرائيل ، كمثل ما ترشح له الأقدار جنود حماس فلسطين ليكونوا قادة تحريرها ، تماماً وفي خطٍ موازٍ ، وبهذا تتبين حكمة خطة حماس في تأخير المشاريع الصلحية مع إسرائيل إلى يوم تمكين الإسلاميين في دول عديدة لتأخذ بالأسباب وتستعد وتقود الجهاد الأكبر ، ويليق للمجاهد العراقي أن يقيس أمره على ذلك ، وأن يفهم أهمية محاولاته في تأخير مشاريع المصالحة السلمية في العراق مع مستعمر غزاه وجاءه من وراء المحيطات ، وأول ذلك هذه المعاهدة الأمنية التي ستفرخ معاهدات ثقافية وفكرية واقتصادية في مرحلة لاحقة حين إحكام السيطرة العسكرية والسياسية على العراق إذا تعطل الجهاد ووسدت الوسائد لكل خائن ومتأول بغلط يحمله تأويله على استباحة دماء المجاهدين الخلّص بحجة أن التكفيري يزعم الجهاد أيضاً ، بل التمييز بين المجاهد الواعي والفوضوي ممكن ، وما ينبغي تعميم الحكم ومؤاخذة المصلح بجريرة الهادم ، فإن ذلك من الظلم ، والمؤمن يتعفف عن كل أشكال العدوان وظنون السوء وينحاز إلى المجاهدين على طول الخط وإن لم ينالوا العصمة التي لن ينالها بَشَر ، وليس له غير أن يطلب منهم التسديد والمقاربة وإخلاص النوايا ، وأما الغفلة والفتور الموسمي والقرار الانفعالي واللفظة الغليظة فإنها هفوات لا يمكن أن يبرأ منها أحد ، وإن ما نفعله من نقد العملية السياسية الإسلامية الواهية لا يعني أبداً وجوب سكوتنا عن أخطاء المجاهدين ، وعلى المنظمات الجهادية ضبط أفرادها الميدانيين ومراقبتهم وحسابهم إن عاملوا الناس بتكبّر وحصلت منهم إساءة .
وحين تصل المحاورة إلى هذه الحدود وتحمل الـحُجج المنصفَ على الإذعان لمنطق الجهاد : تثور عنده شبهة تنسف لو صحّت نظرية الدعوة من أساسها ، فيزين له الشيطان أن يقول : ومن أجل أي شعب نضحي وفيهم الفاسق والمصلحي والسارق وآكل الربا وتارك الصلاة وأصحاب لسان السوء والشرِهَ والمنهوم وقاطع الرحم والبخيل والطاعن في أعراض الناس !
وهذه الشبهة تخالف قاعدة هي من القضايا الكبرى في فقه الدعوة ويجب فهمها لئلا يتعطل الدعاة عن التبليغ ومحاولة قيادة الناس ولو كان فيهم هؤلاء الضعفاء وأمثالهم من مقترفي السوء ، وعنصر الخطورة في حالة عدم استيعاب هذه القاعدة يوشك أن يحمل مسلماً على أن يعتقد أن الأميركان خيرٌ منا وقد هذبتهم الأذواق والحياة الديمقراطية ، وأنهم احتلونا ليرفعوا من مستوانا ، وفي لفظٍ بلغني عن متبرمٍ أنه قال : ليرفعونا إلى الآدمية ، وهذا تعبيرٌ عن هزيمة نفسية لا تليق لمسلم ، بل هم غزونا ليمتصوا رحيقنا ويحاربوا ديننا ويقطعوا روابطنا بتراثنا وتاريخ أبطالنا ... !
وأصل الفقه الدعوي في هذه القضية مبثوث بوضوح في ثنايا قصص القرآن الكريم ، فإن الله تعالى أمر موسى u وأسنده بوزيره هارون u أن يذهبا إلى فرعون ويتبنيا قضية بني إسرائيل ويطالبا برفع المحنة التي أرهقتهم ، مع أنهم لم يخلص إيمانهم ، وفي عقيدتهم الإيمانية اضطراب هو أشد من سوء الأخلاق ، ويوضح ذلك قول الله تعالى : ( وَأَوْرَثنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ $ وَجَاوَزْنا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ $ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) الأعراف : 137 – 139 .
ويقول تعالى : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّه جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبيناً ) النساء : 153 .
وهذه جهالات وعدة أنواع من الاضطراب في العقيدة ، وما كانت أيام جاهليتهم ، بل ( مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَات ) ومن بعد نجاتهم ومجاوزة البحر وتدمير ما كان يصنع فرعون وقومه ، ومع ذلك فلم يترك موسى قضيتهم السياسية وقضية الحرية ، بل استمر يقودهم ويحاول إصلاحهم حتى بنى لهم دولة .
والدليل على ذلك مشروح في قوله تعالى : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) يونس : 83 .
فهذه هي الإشارة المهمة التي تبين السبب وتقرر القاعدة ، فإن قوم موسى وإن لبثت فيهم اضطرابات العقيدة إلا أن منهم الذرية المؤمنة التي يطمع موسى أن يبني بها الدولة ويقاتل ، والحياة الاجتماعية وحدة واحدة ، والأبناء يعيشون مع الآباء ، ولا يمكن الفصل ، ولذلك التزم موسى قضية جميع القوم من أجل أن يتمكن من تـربية الذرية ، وقد أتت آية أخـرى على ذكر نموذجين من هؤلاء الفتية ، وذلك قوله تعالى : ( قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) المائدة : 23 .
مع أنهما كانا يقفان في عرصة واحدة مع المترددين الذين يقولون ( فَاذهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون ) المائدة : 24 .
بل القرآن يروي نموذجاً لسبعين هم الفصيل الإصلاحي القتالي الدعوي الذي يحرص موسى على سلامتـه من أجل أن ينـفـذ الواجب ، وذلك قـوله تـعـالى : ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا .. ) الأعراف : 155 .
فموسى هنا صريح في تمييز رجاله المؤمنين عن آخريـن استولت عليهم العيوب ، وتعبير ( اختار ) كناية عن خُطة وبناء تنظيم والتعهد بمهمة دعوية وجهادية ، والحقيقة المختلطة لم تجعله يقعد عن تولي القضية والتصدي لواجب الوقت وبناء منظومة الإصلاح ، غير آبهٍ لمن يطرب لخوار العجل ولا لنكوص الجبناء ، وهكذا هي مهمة الداعية في كل قوم وفي كل زمان : يتبنى قضية الحرية على الرغم من وجود الأرهاط السيئة في قومه ، لأن الحياة الاجتماعية معقدة ومتداخلة ويختلط الصالح والطالح في العائلة الواحدة ، والداعية يطمع في الذريّة والفتية ، ويأمل أن يُخرج الله من أصلاب الغافلين والمغتابين والجبناء مَن يحمل هموم الدعوة والجهاد ويعمل على تقويم الاعوجاج ، أو يأمل توبة اللاهين ، ولذلك لن يتأخر عن ترشيح نفسه لقيادة قومه الذين لم يبرأوا من اللغط والبدع والسلوك الغلط ، لأنه لا يدري أين يكمن الخير ، فواجبه أن يتصدى لإصلاح الناس ، ثم الله يهدي من يشاء ، وهذا من مَواطن الفهم الدقيق لفقه الدعوة ، وفي القرآن الكريم شواهد أخرى تعضده ، ومرحلة العراق الحالية تحتاج هذا الاستنباط واستيعاب قصص الأنبياء عليهم السلام ، ولو أن الذين ألهتهم السياسة فهجروا تدارس القرآن رجعوا إلى تلاوته لَـتَجدّد لهم إيمان وفقه هم بحاجة إليه في يوم الاختلاط هذا ، ويوم الارتكاس ، ويوم الشبهات ، ويوم الشهوات ، وقيادات منظمة " جامع " السياسية والميدانية هم اليوم أكثر من سبعين ومعهم الألوف من المجاهدين يحق لهم أن يأملوا ، وقيادات الحركة الإسلامية في العراق من المخضرمين والرواد الأوائل أكثر من سبعين كذلك ومعهم الألوف ويؤذن لهم أن يتولوا البشارة والنِذارة في أهل العراق ، وأن يشاركوا في حمل هموم الدعوة الإسلامية في العالم وحجز مكانة الميمنة في جيش تحرير فلسطين ، ولئن كان في أهل العراق من يتبطر ويغتاب ويظلم ويسعى بالإرجاف : فإنما أولئك شطر المجتمع فقط ، وفي الشطر الخيري الآخر سادة ونجباء وأوفياء يؤدون الصلاة ويَشكرون ولهم شجاعة وكرم وحلم وعقل وإيمان ، وللتنسيق بين جهودهم وعطائهم نتصدى لتأسيس العمل الدعوي وتطويره ، وأما الذُريّة من أذكياء أبنائهم فإنما نريدهم للأعمال الصعبة ، والقومات الجهادية ، والأداء التخصصي ، ونفرات الإبداع ، والفنون القيادية ، اقتباساً من سيرة موسى وإشارة القرآن .
ومن الغريب بعد هذا البيان أن يكون أحد دعاة التجرد لطريق السياسة دون الجهاد يعتقد أنه قد أطال النظر في القرآن الكريم فوجد أن أكثر ما فيه التركيز على قصص الأنبياء عليهم السلام وحرصهم على تعليم الناس الإيمان ، وأما الجهاد فذِكرُه في القرآن أقل ، ويستـنبط من ذلك أنه طريـق عارض واستثنائي .. وهذا اجتهاد غلط سببه الجهل بالأصول وأساليب الاستنباط ، فإن القرآن تفسره سُنة النبي r وسيرته ، ثم سيرة الراشدين والأجيال الخيرية المتعاقبة وشهادات الفقهاء ، فضلاً عن خلل في إحصائه واستخراجه لنسبة الجهاد والسلم ، فإن سور الأنفال والتوبة ومحمّد والصف محتكَرة لتقرير معنى الجهاد ولوازمه ، والمناصفة واضحة في سور آل عمران والمائدة ، وهناك أثلاث وأرباع في جمهرة بقية السور ، ولم تتجرد آيات العقيدة إلا في سور قليلة ، وقصة موسى التي تكررت في كل السور الطوال أكثرها جهاد وقتال ، بل واقتحام على العمالقة والقوم الجبارين ، وكأن إشارة تكمن فيها إلى جبروت العولمة وأن أميركا عملاق سيهزمه الجهاد ، وقصة طالوت زمن داود ، بل وآية ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبيٍّ قَاتلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... ) آل عمران : 146 ، يدل تعبير ( وكأيَّن ) فيها على أن الأنبياء الذين حملوا السيف ومارسوا القتال هم كثرة كثيرة ، وهذا يميزه من يعرف فقه اللغة العربية وأساليبها ، ومعهم الربيون ، أي الجماعات الكبيرة ، فمن أين دخل انطباع استثنائية الجهاد ؟ وقضية درجات الأحكام الشرعية لا تؤخذ من الجدول الحسابي الإحصائي للآيات ، وإنما حكم الوجوب يتقرر من مرة واحدة فقط بلفظ الأمر الذي لا تصرفه قرينة إلى مجرد الندب ، وهذا حاصل في حكم الجهاد من خلال عشرات الآيات والأحـاديث الصحيحة وإجماع المسلمين جيلاً بعد جيل ، وكثرة الأدلة والآيات تقرر بعد ذلك معنى التوكيد وليس تأسيس الحكم ، وتراثنا المعرفي كله قائم على تمجيد السيف والفخر بالبطولات ، أي في الأدب والتاريخ والفن ، ولذلك تضمنت الخطة الأميركية تجديد تدوين تراثنا وتخليصه من شعر الحماسة وقصص البطولة ، بل وتجرّأ مؤتمر وزراء الإعلام العرب بعد نكسة 1967 وبأمر أميركي على توصية البلاد العربية بعدم إذاعة ترتيلات قراء القرآن الكريم إذا احتوت آيات الجهاد وتضمنت آيات ذم بني إسرائيل ، لأنها بزعمهم تؤسس حاجزاً نفسياً أمام الجمهور العربي من قبول خطة الصلح مع إسرائيل .. !
ومن الشبهات التي يتعلق بها دعاة التجرد للسياسة : أن الجهاد العراقي ألهى أهل السُنة عن استثمار الوضع وتطوير محافظاتهم ، بل وخرّبها ودمّر ما كان فيها بسبب المعارك وردود الفعل الأميركية القاسية ، بل وأدى إلى استشهاد زينة شباب أهل السُنة في المعارك أو باغتيال الطائفيين لهم أو باعتقال القوات الأميركية والعراقية لهم أو تهجير ملايين أهل السُنة إلى خارج العراق ، فضعفت قضيتهم ، بينما الأكراد في الشمال وأحزاب الشيعة في الجنوب تجانسوا مع وضع الاحتلال وبنوا محافظاتهم وطوروها وعمروها وحفظوا شبابهم وانهالت عليهم منح التنمية من مختلف الدول ، وبذلك حصل خلل في المعادلة العراقية ونحن الخاسرون .
وظاهر هذه الشكوى يوشك أن يُقلَق المجاهد ويجعله يعيد حساباته ، ولكن استرجاع مجموعة القيم الإيمانية والشرعية وإعادتها إلى الذاكرة يعصم بإذن الله من نكوصٍ وإدبارٍ بعد الإقدام ، ويؤكد للمجاهد صواب اختياره وامتثاله للأمر الرباني ويجعله ثابت القدم إن شاء الله .
ووجوه نقض هذه الوسوسة ذات المسحة المنطقية ثلاثة ، تدور بين الشأنين المادي والمعنوي ، والقياسين الدنيوي والشرعي ، والحسابين العاجل والآجل .
فالشمالي والجنوبي حرصا على متاعٍ زائل ، واتخذا الكافر ولياً ونصيرا ، وخدما خطته ، ونحن كان لواذنا بعادات الأحرار وإباء الأبرار ، وحفظنا عروقنا نابضة ، وأشواقنا عامرة ، وفي جدول الأوزان النوعية في العُرف الإنساني : نحن الأثقل وكفة ميزاننا هي الراجحة ، وحفظنا صفحتنا بيضاء نقية ، وصفحتهم سوداء داكنة ، وباسم " المجاهد " الكريم خوطبنا ، وبتعيير الخيانة حاصرتهم الصيحات .
وقياسهم الدنيوي إنما هو طاعة للأهواء النفسية والتأويلات العوجاء العقلية ، وشهدوا لأنفسهم بالصواب ولم يشهد لهم أحد ، بينما قياسنا الأخروي دفعنا إلى الاعتصام بالشرع والعقيدة والإيمان والقرآن ، وشهد لنا فقهاء الأمة كلهم أننا على المحجة المستقيمة ، وما زال الصالحون يسندوننا بالدعاء ، وطريق الله فيه بذل وأذى وحرج وجوع وترميل أرامل وتيتيم أيتام ومحن وفقدان أموال ، وهذه آيات القرآن تقرر هذه الأقدار الربانية علينا لحكمة يريدها الله وليمحّص الذين آمنوا ، كمثل قوله تعالى : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ $ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت : 2-3 ، وقوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) آل عمران : 142 ، وترك المهاجرون y منازلهم بمكة في سبيل الله ، فلما كان الفتح لم يرجعوا إليها ولم يعودوا إلى تملكها ، حفاظاً على أجر تضحيتهم ، وكأني أجد أن الموازنة القائمة في قلب كل مجاهد بين حاله من الحرمان وفقدان المال ، وحال الشمالي والجنوبي في مماشاة الأميركان من أجل العمران : هي نفس الإلقاءات النفسية التي كانت في صدور الصحابة y يوم بدر حين يقول الله عنها : ( وَإِذ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ $ لِيُحِـقَّ الْحَـقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) الأنفال : 7-8 ، فقافلة التجارة وأموال قريش هي إحدى الطائفتين ، وكان فقراء الصحابة يتمنونها ، ورجال قريش وصناديدهم وكبار العتاة هم الطائفة الثانية ، فكان الاختيار الرباني الحكيم أن يقاتلوا الكفرة حتى لو فاتت الأموال ، لأن سياق بناء سلطة الإسلام يقتضي ذلك ، والقضية العراقية حالها مثيل وكأن هذه الآية نزلت فيها ، فالتنمية والأموال ممكنة ، قياساً على حال الجنوب والشمال ، ولكن الله اختار لأهل السُنة الجهاد ولقاء العدو ، لأن سياق تطور الدعوة في العراق والعالم الإسلامي يقتضي ذلك على الرغم من فوات الأموال ، بل أنها أموال وسخة وتنمية دَنيّة مشروطة ، وعند الله العوض عنها .
وأما في الحسابين العاجل والآجل : فإنهم فازوا بشيء يستهلكونه سريعاً وينفد بعد سنين ، مع ملامةٍ خالدة من كل تقي وحُر وناقد ، ونحن فزنا بالآجل الباقي الخالد ، فإن كان اُخروياً فهو كذلك ، وهي جنة ونعيم مقيم ، وإن كان دنيوياً فهو كذلك أيضاً ، لأن انتصار الجهاد العراقي سوف لا يحرر العراق فقط ، بل سيعصم كل العالم الإسلامي ، بل كل دول الأرض ، من مغامرة أميركية مثيلة ، وسيكشف خاصرة إسرائيل ويسهل طعنها ، والسياق الحضاري الاستراتيجي يدل على ذلك ، فصار من اللائق أن يكون أهل السُنة في العراق هم الفداء والقربان الذي تقدمه الأقدار من أجل إنقاذ العالم كله من الغطرسة والعولمة الأميركية ، وليكن الفقر ، وليكن الحرمان والتهديم وفوات الأموال وحصول القتل والاعتقال ما دمنا سنـنجز هذا الإنجـاز الضخم ونكون قدوة للشعوب كلها ، مسلمها وكافرها ، ولأيتامنا الله تعالى ، وسيسجل المعرفيون أن الانعطافة الكبرى في مسار التاريخ العالمي حققها أهل السُنة في العراق بقيادة المجاهدين والدعاة ، ولكن أصحاب منطق السلم لا يدركون ذلك ، لأنهم يستعجلون .. ! ولا يفهمون " نظرية الحركة الحيوية " وأن هذه الانعطافة التاريخية هي تحريك للحياة لصالح الإسلام وستكون هي الحادثة الهازة النافضة التي أشرت إليها في آخر كتاب " المنطلق " والتي ستكون بداية لمرحلة التمكين الأخيرة في خطة الدعوة الإسلامية ، بل بداية الجولة الحضارية الإسلامية الجديدة ، وبها ستتحرك الحياة حركة سريعة عظيمة التأثير والزخم ومتواصلة الوتيرة بحيث تتوالى الانتصارات وتتزاحم حتى لا يدري المؤرخ والمراقب والمحلل لأيها يسجل إذا أراد الدقة في ترتيب ورودها ضمن السياق والنسق ، ويجب أن نترك السلمي يسخر من هذه الروئ ويشمئز ونواصل التوغل في درب الجهاد بما معنا من بصيرة ويقين ، بل إن لي فراسة أخرى أبشر بها الدعاة والمجاهدين ، فإني أرى أن انتصارهم وظهور ملامح الانعطافة التاريخية العالمية سيهز المجتمع العراقي هزة قوية أساسها الإيمان وطريقها الفكر والقياس والمقارنة فتتبدل وجهة الأجيال الجديدة في الجنوب والشمال ، وتكتشف خطأ سياسات الأحزاب الطائفية والقومية ، وترجع إلى الاعتدال والإيمان والاحتكام إلى القرآن ، وتتكوّن تكويناً عقائدياً ونفسياً جديداً يعيد صياغتها وقناعتها ومواقفها ، وتسرع إلى مصافحة الثقات والاستغفار لمن سبقهم من الشهداء والسجناء والمضحين الذين أبصروا في الظلمات ما لم يبصروا فارتضوا الحرمان من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة أميركا هي السفلى .
وفي أواخر حُججهم : أن المشروع الجهادي ينبغي أن يكون تابعاً للمشروع السياسي ، وليس العكس ، وأن ذلك هو عُرف العالم والحركات التحررية ، وذلك صواب وقول صحيح ، ولكن متى ما كان المشروع السيـاسي وفيـاً للهدف ، حريصاً على التزام حكم الشرع في الجهاد ، صلباً لا يبدي اللين ، آخذاً بالعزائم لا يميل إلى الرُخَص ولا يُسارع إلى أحكام الضرورات الاستثنائية زاعماً حصول الحرج إذ القرائن تشير إلى فَضلةِ سَعة وطاقة ، وتلبية مُراد الله تعالى ورغبة الشرع مقدمة عندنا على الأعراف العالمية ، والفقه يقرر أن تكون الإمارة الدعوية هي المرجعية العليا ، ويسلب القيادتين السياسية والجهادية حق القرار ، وذلك هو القول الفصل ، وبه نتميز عن غيرنا .
q أوهام التحالف المستحيل حَبَسَتنا في الدائرة الـمُـفرَغة
¨ إن التبرم من الجهاد ، واعتقاد مبدأ جواز التوقيع على الاتفاقية : قد أضعف مركز العملية السياسية الإسلامية وجلب لها حرجاً بعد حرج ، ولذلك ، ومن خلال تفتيشها عن موارد التعويض والإسناد اجتهدت أن تسلك سياسة التعايش مع حكومة المالكي الطائفية ، فوقعت في الخطأ مرة أخرى ، وصارت أسيرة ، تخاف غضبته ، ومن بعد أن فقدت سند المجاهدين لها تحت أوهام منطقها المنقوض ، وذلك أوقعها في ورطة ، فطفقت تفتش عن منطق يسوّغ تعايشها مع طائفي يتفانى في تثبيت القدم الأميركية في العراق .
فقالوا في منطقهم : أن المالكي يحتاجنا ، وأي رئيس وزراء آخر يحتاجنا ، لتجميل صورهم ، والظهور بمظهر التوازن ، ولذلك يليق أن نقدم أنفسنا .
وظاهر هذا التسويغ أنه من قبيل المناورة السياسية المقبولة ، والسياسة أساسها المناورة ، ولكن لماذا نقدم إسنادنا له مجاناً ؟ ولماذا لا يكون الاشتراط عليه ، والتدقيق في التزامه ، والاعتراض العلني الصريح إذا أخلّ واستنكف ، والتشديد في تنفيذ شرط التوازن ، وقد كان مراوغاً منذ البداية ، واستمر حتى النهاية ، واعترضتم وانسحبتم ، في عملية أيدها كل دعاة العزائم ، ولكن رجعتم من دون تنفيذه لطلباتكم ، فكان رجوعاً بارداً صَدَم الرجاء ، وما هكذا تكون المناورات .
وكانوا قد قالوا : أن المالكي وحده ، وتنافسه الأحزاب الطائفية الأخرى ، وإذا صادقناه سيميل إلى الشكر .. ! ولكن هل نطمئن إلى شخصيته وتربيته على طريقة التقية ؟ وقد كانت ثقتكم به فما شَكر .
وحقيقة حاجته لنا أنها مرحلية فقط ، حين أراد تحجيم جيش المهدي ، بدوافع التنافس الداخلي في الصف الطائفي ، وطاعة لرغبة أميركية بعد أن دفعت إيران الصدريين للتحرش بالجيش الأميركي عبر ملابسات قضية المفاعل النووي الإيراني ، وأما بعد مرحلة تأديب جيش المهدي فإن المالكي لا يحتاج لنا ، وبعد إحكام سيطرته بخاصة ، وثقة رجال العملية السياسية الإسلامية بالمالكي منحه تمكيناً في البصرة والعمارة والموصل ، ثم ديالى ، خلال مساجلاته مع جيش المهدي وغيرهم ، فلما استتب له الأمر أنكرهم ، ولو أنهم قبلوا نتائج الدراسات التخصصية التي يقوم بها الدعاة في تحليل مسيرة القضية العراقية لكان خيراً لهم وأقوم ، إذ فيها نصائح وتوصيات أيدتها الوقائع فيما بعد ، ولكنهم تكبّروا على هذه الدراسات الموضوعية واتبعوا ظنونهم المجردة وتخميناتهم العامة ، فكانت النتائج السيئة ، وأداء النواب الإسلاميين في البرلمان يدور في هذا المدار الظني أيضاً ، وتغلب عليه العلاقات الدبلوماسية والمجاملات والسكوت ، وندرت الكلمات الصريحة ، وما لمثل هذا النمط أيدنا العملية السياسية ، بل أردناها أن تكون وكيلة عن أحاسيسنا وغضبتنا فتصدع بالحق وترفع الصوت .
وقد كان لي تأمّل تحليلي طويل أردت منه معرفة سبب الغرابة في مواقف العملية السياسية الإسلامية في العراق تجاه الحكومة ومن أين دخلت عليها فكرة اللين والمهادنة معها والثقة بها ، فوجدت أن الخلل يكمن في التصوّر العام الذي كونوه وانطلقوا منه في تفريع الاستنتاجات والمواقف الجزئية ، وذلك أن منطقهم التحليلي أوصلهم إلى الاعتقاد بأن قضية أهل السُنة في العراق يواجهها ويحاصرها طرفان عَدوّان لها : أميركا وجيشها القاسي في ضرباته الانتقامية ، والأحزاب الطائفية ومليشياتها المسرفة في الاغتيالات والقتل العشوائي ، وما يلتحق بذلك من سند إيراني خفي لها ، فاستنتجوا أن مقابلة العدوين معاً مرهقة وصعبة وفوق الطاقة ، ولذلك لا بُدّ من التحالف مع أحدهما ، والأقرب هو المسلم ، مع طائفياته ومذابحه ، ومن هنا سيطرت عليهم فكرة التحالف مع الأحزاب الطائفية .
وهذا استنتاج غريب يرى باللونين الأسود والأبيض فقط لا بطيف الألوان ، ويحصر القضية في اختيار أحد نقيضين ، إما الحرب والقتال ، أو الحلف الذي سيكون في الحقيقة تبعية واستئساراً لكونه ينعقد بين حليفين بين قوتيهما فرق كبير وبون شائع ، لأن الطائفي يسيطر على القوات المسلحة والشرطة والمخابرات والوزارات السيادية وجميع مراكز القوة ، ومعه المال والسند الإيراني والرضا الأميركي ، بينما الطرف السُني مجرد من كل ذلك ، ويدخل الحلف أعزلاً فقيراً ، والجانب الطائفي له سند شعبي عارم من بيئته وتغذيه تراكمات الأحاسيس الدينية ، إذ الطرف السُني السياسي مجرد من السند وجماهيره متفرقة وغاضبة عليه وغائبة عن الساحة بالهجرة الواسعة التي دفعتهم إليها أعمال المليشيات القبيحة ، وفي معركة السيطرة على بغداد بخاصة لما كثر قطع الرؤوس ، ثم أن الأحزاب الطائفية لها خبرة سياسية عريقة اكتسبتها من استمرار تنظيماتها السرية أيام صدام حسين ، ونشاطها في مواطن هجرتها آنذاك : إيران وبريطانيا ، حيث احتضنتها الثورة الخمينية وربّتها وجعلتها تنمو وتنضج من خلال التثقيف والمؤتمرات والتدريب العسكري لفيلق بدر ، واحتضنتها بشكلٍ موازٍ سياسة أميركا وبريطانيا وعموم الدول الأوربية واستراليا ، ووفرت لها عوامل النجاح واكتساب الخبرة السياسية ونمط المناورات والمخادعات ، حتى أن مؤتمرها الأخير في لندن كان برئاسة وزيرة الخارجية الأميركية ، بينما الطرف السُني حرمه صدام من فرص الانتظام والنشاط السياسي المستقل ، وحجر عليه ، وحصر القضية في حزب البعث فقط ، والبعثي لا يتربى سياسياً ، لأن القرارات بيد صدام وحده ، والحزبي تابع منفذ فقط وعليه الطاعة العمياء ، فلم تـنشأ لذلك زعامات لها خبرة ، وإذا حازتها فهي بعثية ولا تصلح لقيادة أهل السُنة في مرحلة ما بعد صدام بسبب الممارسات الدكتاتورية والمخابراتية لكل الكتلة البعثية ، وكان مما زاد من تجفيف منابع الخبرة السُنية منذ أول حكم البعث أن الحركة الإسلامية تعرضت لمحنةٍ واعتقالات وضرر فقررت قيادتها في العراق تجميد العمل التنظيمي من أجل تخفيف المحنة والرقابة المخابراتية ، وطال التجميد بسبب استمرار وتيرة سياسة القبضة الحديدية التي مارسها صدام ، فضمرت خبرة الدعاة السياسية تدريجاً ، وانطلقوا بعد الغزو من مستوى يقرب من الصفر على الرغم من استعداداتهم الفكرية ومحاسنهم الدينية ، فكان ذلك من الأسباب القوية في حرمان أهل السُنة من الزعامات يوم حاجتهم لها لمقابلة الأحزاب الطائفية بعد الاحتلال ، وكل هذا الشرح إنما عقدناه لبيان عدم التكافؤ بين الحليفين السني والطائفي لو حصل التحالف ، ويكون التفوق الكاسح لمنافسنا علينا ويجعلنا ندور في مداره ويملي إرادته ويحصرنا في منزلة التابع المسلوب الإرادة والخيار ، ثم يكون إسكاته عن الشكوى والتذمر بإعطاء الفتات إليه ومنحه العناوين الوزارية التي لا سلطة فيها ، ثم تمنيته بوعود مستقبلية ليس لها ضامن ، ولكل هذا فإن تصور رجال العملية السياسية الإسلامية بأن الأمر ينحصر بين اختيار العداوة أو الحلف هو تصور خاطئ جداً يحرم نفسه من المرونة ، وهو لزوم ما لا يلزم ، بل تكون لنا شخصيتنا المستقلة لأننا نملك عقيدة مغايرة وفقهاً آخر ، وتكون لنا كتلتنا المستقلة أيضاً ، ونختار بدل التحالف سياسة المهادنة عند الضرورة كبديل عقلاني مقبول ، والتعاون الجزئي في قضية بعد قضية إذا توفرت الضمانات لوفاء الطرف الآخر ، وعندئذ نبقى نعارض ونطالب بالحقوق المسلوبة وبتوازنٍ وتقاسمٍ للوزارات والفرص ، وبالتكافؤ في جميع درجات القوات المسلحة وتنظيماتها القتالية ، وأما ما يوجبه التحالف من سكوتنا عن كل ذلك فهو ضيم وهضم واستبداد ، وذلك هو الذي جعلنا نتهم العملية السياسية في أصل تصوراتها التي حصرت القضية في استجداء تحالف من الطرف الآخر ، وتعطلت فاعليتها بسبب الدبلوماسية التي تقتضيها مغازلات التحالف ، ومع ذلك كان الطرف الطائفي المقابل يسوّف ويماطل ولا يرضى التنازل عن مَواطن ثانوية احتلها ، حتى أوصلتنا الأيام إلى مبحث الاتفاقية الأمنية وتأثير ملابسات الموافقة عليها على مجمل العملية السياسية ، وكأن الروح الاحتكارية التي أبدتها الأحزاب الطائفية كانت من أقدار الخير الربانية التي تصرف عنا تقنين التفوق والتعاقد على التبعية لها .. ! بل ذلك خير مؤكد ، لأن وسوسة التحالف حشرت إيران على الخط وأبدت لرجل من رجال العملية السياسية أنها مستعدة للتعامل معها كمثل تعاملها مع حزب المجلس الأعلى للثورة وآل الحكيم إن أرادت ورغبت ، وجعلت تغري وتشجع ، ولكن الله سَلّم وعَصَم وحوصرت هذه العروض التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والوقـوع في أسر المخابرات الإيرانية .
وكأن سبب دخول وسوسة التحالف على بعض رجال العملية السياسية أن أيام السجن القديمة بعد محنة 1987 جمعتهم في سجن أبي غريب بسجناء آخرين من الأحزاب الطائفية ، والمصائب تساعد على تكوين الصداقات ، فكانت المخاللة التي ولّدت الخلل ، وحصل التناجي الطويل ، وأبدى الطائفيون فكرة التحالف وبذروا بذرته ، وساعدت ظروف الظلم على استقبال تلك الإشارة بالحفاوة ، تحت ضغط مفهوم وحدة المسلمين ، وغمرتهم روح مثالية ، وما كانت في تلك الأيام مجازر طائفية تعيق قبـول العَرض المتـفِق في ظاهره مع أدب الإسلام ، واستمرت الفكرة تزداد رسوخاً في القلوب مع الأيام ، فلما حصل الاحتلال وخدمة الطائفية للمشروع الأميركي وارتكابها المجازر وقطع الرؤوس وحرق المساجد جفلت أنا ، وجفلت أنت ، وجفل كل أهل السُنة ، ولكن أولئك السجناء التافوا على مغزى العدوان بالتأولات ، لعمق التأثر بفكرة التحالف منذ أيام السجن ، حتى أنهم يتهمون أنفسهم ولا يصدقون الإحصائيات الدقيقة التي تبديها مراكز البحوث بتساوي أهل السُنة عددياً مع الشيعة في العراق ، ويعتقدون صدق الزعم بأكثرية الشيعة ، لأن رؤيتهم لألوف كثيرة من الشيعة في سجن أبي غريب أيام صدام طبع في اللاشعور عندهم هذه القناعة ، فقد كانوا هم يمثلون مجرد عشرات من السجناء السياسيين السُنة بسبب تكوينهم لتنظيم ، وأما الألوف فكلهم من أعضاء الأحزاب الطائفية ، والمنظر المرئي أبلغ أحياناً من القول والخبر ، ولذلك استمر شـعورهم حتى اليـوم بأنهم ضعفاء أمام كتلة جبارة ، وأنهم أقلية أمام أكثرية ، بل حتى حملهم هذا الانطباع اللاشعوري على اعتقاد عدم حصول تزوير في الانتخابات البرلمانية بعد إقرار الدستور الجديد ، وأن فلاناً اللامي رئيس لجنة الانتخابات لم يظلم أهل السُنة ولم يبدل الحقائق والوقائع ، وارتضوا أن يختاروا ممثلي أهل السُنة في الوظائف العليا من بين ثلاثة يرشحهم المالكي نفسه ممن يرتضيهم ، وألغو حقوقهم في فرض مَن يوثقونه من الرجال ، وأصبحت القضية إلى التبعية أقرب ، وفي التحليل أن " قضية نفسية " سيطرت على القضية السُنية من داخلها ، وأن بعض رجال العملية السياسية ممن تعرض للسجن صاروا أسرى هواجس اللاشعور التي عكسها منظر المحنة الطائفية في السجن ، وذلك جَعَلَهم يفهمون أن الأحزاب الطائفية إنما تنافسنا بدوافع سياسية فقط ، وأن مدخلنا معهم يمكن أن يكون أيضاً من خلال السياسة فقط ، أو اللجوء إلى تحييدهم بالتحالف ، وهذا استنتاج خاطئ جداً ، لأنه يتجاهل الخلاف العقائدي المحرك لها ، وعمق المحركات النفسية الأخرى التي تدفع نحو التحدي والثأر من ظلم سُني يزعمونه تراكم في التاريخ ، وهم يعدون صدام حسين كممثل لأهل السُنة ولا يرون أن استبداده أضرّ بأهل السُنة أكثر مما أضرّ بهم ، بل أن الأمر اليوم يتجاوز الخلاف العقائدي والمحركات النفسية حين صار التحول في تعاملنا مع الطرف الآخر من كونه مجموعة أحزاب إلى كونه حكومة ، فالمالكي أو أي رئيس وزراء آخر لا ينطلق من سياسة مستقلة ، ولا من سياسة حزبه ، كي نأمل من الحوار والتفاوض معه أن نكسب شيئاً ، وإنما ينطلق من رغبة أميركية وتأثير للسفير الأميركي أيضاً ، ولا يملك نفسه ، وأميركا ترى أن أهل السُنة يمثلون المصدر الأول للخطر ، وبذلك يلتقي المشروعان الاستعماري والطائفي ، ولا خيار لأهل السُنة غير الجهاد .
q اختلال المعادلة العراقية أثناء الاحتلال .. إلى زوال .. !
¨ نعم ... جولة من الحوار المنطقي تنتهي إلى هذا الحكم الواضح الصارم القوي الشواهد : " ليس لأهل السُنة غير الجهاد " .. !
ومن الواجب تعميق معنى التضحية لديهم ، واللواذ بالصبر ، فإنه طريق المسلمين حقاً ، ونعلم أنهم نالهم الأذى ، وفقدوا الأبناء والأموال واجتمعت عليهم المصائب ، ولكنها هي كذلك إرادة الله تعالى ، يدخلهم الكِير ليَخرجوا ذهباً لامعاً صافياً ، وإنما تؤخَذ الدنيا غِلابا ، وإذا اعتصمت الأحزاب المنافسة بالسطوة الأميركية : فنحن نعتصم بالله ، ومن اللازم تفعيل معنى الاستشهاد ، وتدارس القرآن من أجل تحصيل الوضوح الفكري واستيعاب منطق الحملة الجهادية والآثار العظيمة المرجوة من انتصار الجهاد .
والحركة الإسلامية في العراق اليوم تبذل الخبرة التنظيمية والتربوية لقضية أهل السُنة والجماعة في العراق ، بما لها من فكر مدون ومؤسسات إعلامية وعلاقات مع نبلاء العالمين العربي والإسلامي ، بل ومع أحرار العالم الواسع ، وبما للعناصر الريادية من فهمٍ ومُكنة سياسية وتربوية تؤهلـهم لزعامة المجتمع ، وفي مجمـع الحركة : العالم الشرعي ، والمجاهد ، والخبير التنموي ، والمربي ، ومُتقِن التخطيط ، والأخت الواعية العفيفة التي توجه النساء ، وصفوفهم مفتوحة لكل مخلص يدرك أن الأعمال الفردية والعشائرية لا تجدي كثيراً وأن مفتاح التفوق والدفاع عن النفس والعِرض وتحصيل الحقوق : هو العمل الجماعي المنظم المضبوط بخُطة والمستند إلى قاعدة فكرية تامة وإلى تربية إيمانية منهجية تحت رقابة علماء الشرع الحنيف وفي رحاب الشورى الإسلامية في ظلال القرآن وحراسة السيوف .
ألا وإن العملية السياسية الباردة متورطة بديون كبيرة متمثلة في الدماء الطاهرة التي سالت برصاص الطائفية والاغتيالات التكفيرية ، وبالشهداء النجباء الذين تساقطوا في ساحة الجهـاد ومصـاولة المستعمر ، وبجمهرة السجناء المظلومين ، وكتلة المهاجرين وغربة النساء والأطفال ، وعليها الوفاء وحُسن الأداء ، وأول ذلك : المواقف الصلبة ، وإيقاف النزيف ، ومحاولة إسقاط المعاهدة الأمنية الجائرة التي تهددنا بمستقبلٍ أسوَد .
كما أن المشروع الجهادي مُهدَّد اليوم بأن يسرقه جيش المهدي الذي تلوثت يده بالأمس بقتل المجاهدين ومن يساندهم ، وارتكب منكر حرق المساجد وقطع الرؤوس بدوافع طائفية ، ثم بدأ الآن يضرب القوات الأميركية بأمر من إيران ضمن لعبة الضغوط المتبادلة ، ثم يزعم الجهاد وهو أعتى خصوم الجهاد ، والمسلمون خارج العراق لا يعرفون ملابسات الواقع العراقي ويظنون صدقه في مزاعمه الباطلة ، والجهاد منه براء ، وما هناك غير ألاعيب السياسة والمناورات الإعلامية ، وحتى الشيعي يعلم أنه جهادٌ هازل يتاجر به شاب لم ينضج بعد وتسيطر عليه بقية من طباع الطفولة وتوجهه زمرة مستترة في الخلف تستفيد من مليارات أموال النفط التي سرقها بتمكين أميركي بريطاني واضح ولم تنجز بعد عمليات الغسيل وتحويلها في المصارف بأسمائها الشخصية .. !
وقد كان الخطأ الذي ارتكبته العملية السياسية الإسلامية في العراق أنها ابتعدت عن الصلة بالمجاهدين ، وبذلك حَرمت نفسها من قوة ضاربة تحميها في الوقت الذي نزلت فيه الأحزاب الطائفية والكردية إلى ساحة العمل السياسي بمليشيات وفيالق مسلحة بما هو فوق الأسلحة الخفيفة من الأسلحة المتوسطة ، بل والأسلحة الثقيلة المستولى عليها من معسكرات الجيش العراقي السابق ، ولذلك صار النزول الأعزل للعملية السياسية ، ولم يحترمها أحد ، وهذا هو السر في النجاح الأميركي والحكومي بتحريك فرق الاغتيال التكفيرية لقتل أتباع رجال العملية السياسية كلما لمسوا منها بعض الاعتراض ، فتهرب إلى الإمام وتطلب من كافر وفاسق بعض الحماية ، وما حدث من استفحال أمر الاغتيالات قبيل التوقيع على الاتفاقية هو من هذا القبيل ، ولو أنها كانت منذ زمن قد قرأت المستقبل واحتفظت بصداقة مع فصائل الجهاد لاحترمها وهابها كل أحد ، ولكن الاجتهادات الخاطئة عصفت فأوصلتها إلى حالة الحيرة والضعف ، وصار الاستدراك لازماً ، والحل إنما هو الحل الدعوي فقط ، وأن يدق الدعاة على صدورهم ، وأن يعمر الجهاد ، وستكون محنٌ جزماً ، ويؤذى أولياء الله ، وتكون أيام أشد مما سبق ، ولكن هكذا هي الحياة ، وهذه هي قوانين حركة الحياة ، والصبر يأذن إن شاء الله بانسحاب المستعمر ، فتتبدل الأحوال الطارئة التي زاحمت المعادلة العراقية المتوازنة ، وترجع الأمور بعد الاختلال أثناء الاحتلال إلى الأصالة والعدالة ، والله تعالى يتـولى الصالحين .
q الخطأ ظاهرة في الحياة أبدية .. والنقد عامل تصحيح
¨ وجميع هذه المحاورات النقدية وإن اصطبغت بمسحة حماسة : إلا أنها من أجل التصحيح والاستدراك وردت ، ولا تعني الزهد بالسياسة الإسلامية ، ولا التقاطع معها أو ارتكاب القطيعة والهجر واللواذ بعلماني قد تقوده قلة تقواه إلى مجاهيل أعظم ، وكل تجربة جديدة تكون بحاجة إلى فترة نضوج ، ومن أخطائها تتعلم ، وهذا الميزان يصدق على التجربة السياسية الإسلامية في العراق بصورة أخص ، لأن النزول إلى الميدان حصل بعد احتجاب طويلٍ ومنعٍ صارم ، ولم يحصل التصاعد التدريجي الآمن ، ولكن الحاجة التي تولّدت من حصول الاحتلال وضرورة دفعه وإجلاء المستعمر ألجأت المسيرة إلى قفزة ينكرها علم التخطيط ، فظهرت تبسيطات في التصور ، ووجوه خلل ، وكل ذلك قابل للاستدراك عليه بحول الله ، ورجال الحركة الإسلامية ألصق بعلم الشرع ، وقد أنضجتهم المعاناة ومراقبة الهفوات ، وهم في الظن أجدر أن يتناولوا النجاح ، وأن يجعلوا الدعوة ظهيرة للأعمال الجدية والمواقف الاستقلالية ، وإذا اقترنت لمعة الاجتهاد الفقهي الحر بتطلعات الطموح : فإن الصواب يوشك أن يستمر ويزداد نطاقه ومجاله ، والتأييد الإسلامي العالمي يوصل النجاح إلى مداه الأبعد ، وكل الذي حصل إنما هو حكمة ربانية ، وأراد الله بالمحنة أن يتعمق فينا التوكل عليه ، وظروف الأزمة الاقتصادية الحالية الخانقة لأميركا توفر ظرفاً مساعداً مثالياً للمجاهدين في أن يواصلوا جهادهم حتى يجبروها على إعلان الانسحاب ، وهي دولة كبرى ، لكنها اليوم في أحرج حالاتها وأسوأ أيامها ، وشعبها يزداد نفوراً من استمرار الاحتلال ، وتبديل الحزب الحاكم قد يساعد على ذلك .
وما ينبغي لأحدٍ أن يزهد بكلامي في هذا الكتاب ، متوهماً أنه تقدير غائب عن الساحة العراقية لا يفهمها ، فإنما غيابي كان في الموسمين الأخيرين فقط ، والفضائيات والانترنيت والبريد الإلكتروني والمسنجر لم يبق معها فرق بين من هو داخل العراق ومن هو خارجه ، فإني مع الحَدَث أولاً بأول ، وحضوري كامل بواسطة مَن يبلغني كل يوم ، وهم عدد ، ووقتي أوفر ويجعلني أتابع أخبار السياسة أكثر من أهلها في الداخل ، ممن يحجز التنفيذ كل وقتهم ، وفي الخارج أخبار وتحليلات لا تتوفر في الداخل ، والعاقل المثقف لا تطالبه الأعراف بما تطالب به العامي من النظر والعيان ، بل أنا أفهم ما غاب بالفراسة والإشارة ، وسَنَدي متصل غير منقطع بحمد الله ، وفي سجال المناقشة المنطقية : إذا لم تسعف المرء حُجج موضوعية : مالَ إلى الترهيب بالشكليات ، وقضية الغياب شكلية وليست موضوعية .
والتأنيس الذي يُشفق على قلوبنا فيُبرِد غليانها ويذكّرنا بالإيمان وطبائع السير في طريقه : نجده عند شاعر الدعوة في الجزائر الأستاذ محمد برّاح الذي وجد نفسه وإخوانه في ضباب سياسي ، فطفق يعتصم بالحقائق والثوابت ..
سنعبرُ الصعبَ قدْ غـَــنـَّـــــت بــلابـــلنـــــا
أرى الضـــــبــــــابَ ولــــكـــــنـــي أرى أمــــــلا
وهزّهــــا مِن عبيرِ الشـــــوقِ إطــــــرابُ
أرنو إليه بــمــــلء النـــــور يَـــنـــســــــابُ
أنــــا الـمَسِــيـــرُ القديـــمُ أشتــدّ متـــئـداً
لم تـُــــلهنــــي كلـــمـــاتٌ لســتُ أفــهمها
أنـــــا يــــعرفـــني الميــــدانُ ويــأنـــــسُ بــــي
وكلــــمــــا جـــئـــتُ للتـــــاريـــــخ أقــــــــرؤهُ
فأستــحي منـــهُ مكـــلومــاً ومنـــكســـفــاً
إنْ قيلَ لستَ : فـَـمَن ذا يا تــُـــــراه أنــا ؟
سنعـــبـــرُ الصعبَ إنّ الفجرَ مرتـــقَـــــبٌ
كُنـــــــــا مــــعاً حين صــــليــــنا فبــــلّلنــــا
فما الذي حَـــــلّ يا أبـــــنــــاءَ جـــلدتنا ؟
قد دربـــتـــني على اللأواءِ أتـــــــعــــــابُ
أو أحـــــرفٌ ما لها في السطــرِ إعرابُ
واسمي على مسـمع الأشهادِ : محرابُ
يقول لي : إنــــما النــــصـــرُ أسبـــــــابُ
والقلبُ من وَهَـــــجِ التــــاريـــخِ هَيّــابُ
بل مـــــا يـــزالُ بـــنــا شــــهــــمٌ ووثــــــابُ
جَذف ، لأنـــا على الأمـــــواجِ رُكّــابُ
دمعُ الإخـــــاءِ ، وكلُ النـــــــاسِ أوابُ
فحسبــــنــــا الله ، إنّ اللهَ تـــــــــــــــــــــوابُ
فلربما يكون في دمع الإخاء الإيماني سبب رفق بالدعوة والإفاقة من استبداد الساسة بالموقف دون المجاهدين ، فإن التوقيع على الاتفاقية إحراج لكل داعية يفهم إمكان ازدواجية الخطة وتصويب الرهطين معاً ، وقد نحتمل من السياسي الإبطاء والمبالغة في الرفق والمواقف الخالية من الزمجرة والغضب على الأعداء والخونة من العراقيين الذين راعوا تقديم مصالحهم الطائفية أو الانفصالية ، ولكن ما لا نحتمله أن ينزل المؤشر إلى ما دون الصفر في الخط البياني ، بحيث يجيز للعدو البقاء في القواعد وضرب المجاهدين ، فهذا تأسيس لتناقض في الموقف ، ففي الوقت الذي يهب الداعية كل طاقاته لنصرة الجهاد والمجاهدين : يذهب أخ له باسم الإسلام إلى الموافقة على ضرب الجهاد والمجاهدين ، فهذا تناقض لا يحتمله المنطق أبداً ، ولا يجوز السكوت عنه ، بل لعل رفع الصوت بالإنكار يُرجع العقول إلى السواء ، والقلوب إلى الانتباه .
فإن قال السلمي مجادلاً : نرفع التناقض باصطفاف الدعاة مع السلميين في منح القواعد : فذلك برهان على صواب كل منطقنا ونقضنا لمنطق السّلم التائه .
وشفع مجاهدٌ طيب القلب لنبلاء من الدعاة جعلوا هدفهم الأعلى الحفاظ على وحدة كتلة الإسلاميين في العراق ، وذهَبَ إلى أن كتاب " نقض المنطق السلمي " صحيحٌ كله ، ولكنه يُحرج هؤلاء النبلاء ، ولذلك يطلب الامتناع عن نشره ، لئلا تتكدر الخواطر ، ونفقد الرهط السياسي ، إذ طبيعة النفس الكبرياء على الحق ، والعناد .. !
أوَ لَوْ ألفيناهم على شاكلة قرناء السوء يبصمون بالإبهام على وثيقة فيها إباحة دم الأحرار ، والأتقياء الفقهاء منها يتعوذون ؟
سبحان الله : كيف تكون قلوب بعض النبلاء رحيمة ، فتـتوهم ضرورة عدم إجفال المجموعة الخاطئة حفاظاً على الوحدة ، وتركها تعاند حجج العقيدة والشرع وعُرف المؤمنين .. !
فهذه الشفقة تكون صائبة لو أنهم أذعنوا للمنطق واستدركوا وعدّلوا موقفهم إلى الرفض ، فعندئذ نخترع عشرين تأويلاً لظنهم الأول ، ولكنهم قومٌ يصرّون على صواب التوقيع .
ولذلك يأذن الإسلام والعقل لهؤلاء النبلاء أن يعلنوا رأي الدعوة الحقيقي الرافض لتوقيع الاتفاقية ، وأن يأخذوا بحزم الجازمين ، وأن يضعوا الخط الأحمر ، فمن جاوزه فقد تنازل عن إخاء المؤمنين ، وخرج عن دائرة الملتزمين ، ونتعامل معه من بعيد ، بالـحُسنى ، ولن نلاحقه بعداوة ، وإنما حَسبنا أن نحمي سمعة الدعوة ، ولا نأذن لعارٍ عن الوعي السياسي والفقه الشرعي وروحانية الجهاد أن يستمر في التمتع بشرف العنوان العظيم ولقب " الداعية " الكريم .
وأما أن نعمل بقوانين جَبْر الخواطر ، والدبلوماسية ، وأن نـَمَسّ الليّن بـِوَرد الـجُورِي ، ونلمسه بزهرة القرنفل فقط في يوم تفجّر دماء الأبرار برصاص المستعمرين الأوغاد : فتلك بدعة دخيلة على سلوكنا الدعوي الذي عهدناه يقول للمخطئ : أخطأت ، ويقول لمن حاد عن الأمرِ والسبيل : حرمت نفسك صحبة الرعيل .
هذا هو الفقه الدعوي المأثور ، وما أنا من المتكلفين ، ولا أنا بمنشقٍ ولا زعيم تنظيم ، والذي يتجدّد وعيُه ويريد الإنتاج ويسأل عن الحل والمثابة فليذهب إلى " جامع " ويكون جندياً في حملتها الجهادية ، فإني ارتضيت هَديها وسمتها ومنهجها ووتيرتها التصاعدية ، أو يمدها بالمال والخبرة الفنية والنظرات التخطيطية إن لم يكن عراقياً ، وأما أنا فلست صاحب تجمّع ، وإنما أنا طالب عِلمٍ يدلي برأي الفقه وحكم الشرع حسبما ربّاه وعَلّمه المشايخ ، ثم أنا داعية قديم زدت على نصف القرن خَمساً في تاريخ الانتماء ، واستحسنتُ أن أذكر التجربة العملية ومعاني الفكر الإسلامي كما لقنني إياه الرواد الأوائـل ، الأصفياء الأتقياء ، ثـُمّ أنا حُرٌّ سقط أجداده من بني عِز شهداء عند أسوار بغداد دفاعاً عنها عندما غزاها هولاكو ، كما أخبر ابن الساعي المؤرخ ، فصرتُ أكره كل كافر يغزوها ويدنسها ، وأرفض أن أمنحه قاعدة عسكرية ينطلق منها ليعيث في أرض الرافدين والعالم الإسلامي فساداً ، ولذلك أنا أطلب حماية قادة الدعوة في الأقطار كلها من ردة فعل من رجـال الموافقة على المعاهدة تنسبني إلى الفتنة وتفريق الجمع ، فإني لم أزد على النصيحة الدعـوية شيـئاً ، ولم يرتكب قلمي زللاً وشتيمة ، وإنما هو النقد الباني ، والبيان الإيماني ، ومَن يستغفر الله ويتبرأ من التأويلات السلمية الغلط : يجد الله تواباً رحيماً ، ثم يجدني مصافحاً له ، ولستُ لئيماً .
وأنا مِن خلف حديد الحدود الذي ماثل حديد الزنازين أخط رسالتي هذه في الحوار الجهادي الرصين ...
بالدمـــــــعِ تـُــــكتـــبُ ، والجـــراحُ مِدادُ
قل لي : مَن الأقصى ؟ ومَن بغدادُ؟
حَرُم البـــكــــاءُ ، ويَــــحــــرُمُ الإحـــــدادُ
قَـــــدَرٌ يُــــفــــرّق بـــيـــــنـــنـــــا الإبـــعــــــادُ
أنْ مِن يَدِي لن يستقيلَ زنـــــــــــــــــــــادُ
وطريــــقـــنـــا نحو الفـــخـــار : جــهـادُ
أمــــــــــا الســــرابُ فزائـــــلٌ ونـــــــفــــــــــادُ
قُـــــــلْ : إنـــمـــا مــــوتُ الفتــى : ميلادُ
وبلا دمٍ لا تُحـــــــفـــــظ الأمــــجــــــــــــادُ
للنـــــــــائـــــبــــاتِ إذا اعتــدى الأوغـــــادُ
والنـــــصــــــرُ آتٍ : شَـــــرطُهُ الإعـــــــدادُ
خلفَ الحديد أخطُّ حـــرفَ رســــالــــــــةٍ
إنّ الهـــــمـــومَ عـــــلى الفـــــؤادِ ثــــقــــيـــلة
لا تأسفـــنّ – بُنَيّ – من فـــرط الأسى
وانــــقـــــل لأُمكَ عَبرتـــي لفـــراقــــــهـــــا
ووصيـــتــــــي اقرأْهــــــا لكل بَــــني الدُنـــا
أنْ لـــــن اُفـــــاوضَ في عِـــظـــام رُفاتــــنـــــا
والحقُ شــــمــــسٌ لا يـــغيـــبُ شــعـــــاعها
واتلُ الحـــروفَ مُجلجلاً برَنــــيـــنــــهــــــا
وقّع وصــــايــــانــــــا الجميـــلـــةَ مِـــــــن دمٍ
لم نـــــــعتـــرف بالغـــــاصبــــينَ ولم نـَلـِن
وسنـــلتــــقي ، صــــــوتُ البـنــــادق لحنُنا
وهي أبيات لقنني إياها وأجازني بروايتها تلميذي في فقه الدعوة واُستاذي في علم الاستعلاء الإيماني أميرُ عُشاق الحرية في الجزائر ، الأستاذ الشاعر محمد برّاح حفظه الله .
إن واجب الوقت الآن : هو إسقاط المعاهدة الأمنية .
وطريق ذلك : العفاف ... والجهاد .
وليستغفر لي كل مجاهد .. فإني أحتاج الدعاء : وليكبت قولَ مقلّدٍ يقول : الراشد يحلُم .
وصلى الله على سيدنا مُحمّد وعلى آله وصحبه الميامين أجمعين .
وقد كان الفراغ من كتابة هذه الرسالة يوم الفرقان ، يوم بَدر ، على غير قصدٍ مني ، فانتبهت إلى الموافقة القدرية التي جعلتني أتأول لهذه المعاني وظيفة خيرية ، وأنها تطرح بين أيادي الدعاة وعموم الناس بُشرى نصر بحول الله إذا التزموا العزائم : هو مثل انتصار بدر ، والله يُسدّد خطـوات أهل النوايا الجازمات ، وهو أرحم الراحمين qqq
وذلك ما يخرجنا إلى رؤية شمولية للرد الإسلامي الواجب إزاء هجمة الغزو الاستعماري ، وهذا الشمول يحملنا – ولابدّ - إلى أن لا نقنع بدعوى استقلال صوري جزئي تبقى فيه السيادة أو بعضــها لغريب ، وأن لا تبــقى الأرض الطاهرة مدنسة بحذاء محتل يتبختر ويتبجح ، وينــبغي أن يكون المشروع السياسي للدعوة الإسلامية العراقية حـــاوياً ما هو أبعد من هذا من الحفاظ على مصالح العراق النفــطية ، وأن تصان بشروط جازمة واضحة تحفظ ثروة الأمة وتمــنع المستعمر الطامع أن يتحايل لأخذها في صفقات شبه مجانية ، ثم لابدَّ من المرور بوصــفٍ منهجي كامل يحفظ القيم التربوية الإســلامية في مدارسنا وجامعاتنا وأدواتنا الإعلامية ، ليكون من بعد ذلك تتـويج هذا المشروع بموقفٍ حاسم يمنع خطة السلم والتطبيع مع الغاصب اليهودي ، وإذا لم تذهب المشاريع السياسية للحكومة والأحزاب هذه المذاهب فإنَّ صوت الدعوة سيعلو مطالباً بها ، وسيكون من شباب الصحوة الإسلامية تلقين عملي لأصحاب الوسوسة والمواقف الانهزامية ، وسيكون إلحاح منهم حتى يتوب من اقترف ظلماً ، وينسجم معهم من ارتكب عجزا ، والأمة الإسلامية اليـوم في أشـد انعطافاتها حساسيةً وأهمية ، ولابدَّ لها أن تتخذ من هذا الفهم الشمولي شعاراً ، وأن تلوذ بالمدافعة الواعية .
من كتاب بوارق العراق / 245
عنوان موقع الراشد
www.alrashed-online.com
راجعه .. فإنك تجد فيه النص الكامل لكتاب
" بوارق العراق "
وهو أضخم دراسة عن القضية العراقية من منظور إسلامي
في 544 صفحة
ورسالة
" الموازين الجهادية التي تناثرت في أوراق الراشد "
ورسالة
" الطريق المسدود "
وهي تجمع دروساً مستنبَطة من الإستراتيجية العسكرية العراقية
رواها الفريق الركن رعد الحمداني
«

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية