خطر المعاهدة .. وخَطَل المناشدة
مشروع التعريف بالقضية العراقية من منظور إسلامي
يُقدم رسالة
خطر المعاهدة .. وخَطَل المناشدة
وهي دراسات تحليلية للمعاهدة الأمنية الأميركية العراقية
وبيان وجوه الغش والخداع فيها
والتفاف المالكي على حقوق العراق المستقبلية
وأوهام المؤيدين لتوقيعها
Pحقوق الطبع غير محفوظة
يباح لكل أحد طبع هذه الرسالة
وإعادة نشرها والاقتباس منها
ونشرها في مواقع الإنترنيت
«
لوحة الغلاف
" من تحت قباب المساجد ... تتوجه السيوف نحو الجهاد "
وهي من تشكيلات الراشد
«
الطبعة الأولى
ذو القعدة 1429هـ
تشرين الثاني ( نوفمبر ) 2008م
«
راجع موقع الراشد على الإنترنيت
www.alrashed-online.com
وتجد فيه النص الكامل لكتاب
" بوارق العراق "
وهو أضخم دراسة عن القضية العراقية من منظور إسلامي في 544 صفحة
«
مع رسالة جديدة بعنوان
" نقض المنطق السلمي "
فيها بيان خطورة المعاهدة الأمنية الأميركية العراقية
مع رسالتين في الموازين الجهادية ونقد الإستراتيجية السابقة للجيش العراقي
خطر المعاهدة ... وخَطَل المناشدة
qq فعلها طارق الهاشمي .. وأمضى المعاهدة بتأويل وعد الإصلاح السياسي ..
¨ وفعلتها عصبة قليلة معه من قيادة الحزب ..
¨ فعلها الساذجون .. تورطوا .. خدعتهم الثعالب ..
¨ وأنا أجزم بأن معظم بقية القيادة وأعضاء البرلمان من أتباع الحزب الإسلامي أبرياء ، ولكن تربيتنا الدعوية كانت تبالغ في تعليم الطاعة حرصاً على وحدة الصف ، فأطاعوا وهم كارهون .
واعترض بعض الأخيار على صراحة الراشد في " نقض المنطق السلمي " والتوقيع على المعاهدة دليل على صدق كل سطر في ذاك الكتاب الفيصل ، والمعترض لا يدري أن مـائة نصيحة كانت قد سبقت نشر الكتاب ، وحاولنا وتوسلنا دون جدوى .
وارحمتاه لجيل من أحفاد الدعاة سيولد بعد مائة سنة ويبقى يشعر بالحرج من فعلة هؤلاء الرهط الذين تساهلوا .
لقد خرج طارق الهاشمي والوزراء الذين معه وأعضاء البرلمان الذين أطاعوه عن إجماع دعاة الإسلام الذين قرروا رفض المعـاهـدة ، وعزلوا أنفسهم ، وتأويلهم بارد باهت .
ومع ذلك لا نجزع ، لأن القرآن أرشدنا إلى المخرج عند المحن .
( الَّذِينَ إِذا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجعونَ $ اُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَاُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة : 156 – 157 .
فنحن الذين نوقن برجوع الأمر إلى الله تعالى ستغمرنا رحمة من الله ، وسكينة قلبية وطمأنينة روحية هي المشار إليها بالصلوات من ربنا ، وأما الذي استعجل فوضع توقيعه على الوثيقة الظالمة فإنه سيبقى قلقاً يلوم نفسه .
وإن التأويل قد يشفع ، ويشهد بحسن النية ، ولكن تبقى صفة الخطأ .
والحمد لله الذي جعل في موقف الإخوان المسلمين العوض والأمل ، وفي عمل المجاهدين الاستدراك .
طارق .. أخي .. إلى متى تحسن الظن بهم ؟
خدعوك يوم تمرير الدستور بوعد أجوف ...
وخدعوك اليوم بوثيقة الإصلاح التي لا ضامن لها ..
إن الذي يفهم نظرية حركة الحياة لا يقع في مثل هذه الورطة ، لأن قانون التكافؤ والتوازن والتقابل المتساوي أو المتوازي هو من جملة قوانين هذه الحركة الحيوية ، والمعاهدة ووثيقة الإصلاح السياسي بينهما تفاوت ومعاكسة لهذا القانون النافذ ، ولا تستويان ، فالمعاهدة وثيقة دولية وستعترف بها الأمم المتحدة ، بينما خطة الإصلاح وثيقة محلية برلمانية يمكن الالتفاف عليها من قبل الحكومة وتفريغها من محتواها الحقيقي والاكتفاء ببعض الإجراءات الشكلية ، وكان من اللازم جعل وثيقة الإصلاح ضمن المعاهدة وفي داخلها لتكون أميركا مسؤولة عن تنفيذها ، أما الآن فإنه مجرد وعد من المالكي ونواب قائمة الائتلاف الشيعي ، والكفيل الطالباني ، وهي قصة ( عصفور كِفَل زرزور ، والاثنين طيارة ) التي كانت جدتي تحدثني بها ، والموافقة كانت دولية التخريج وكل الأمم والدول شاهدة عليها ضامنة لها ، والثمن محلي فقط ، لا شاهد عليه ولا ضامن ، بل ستذروه الرياح .
بالتِـبرِ ما بعتكم .. بالتِـبنِ بعتوني .. ؟
صفقة خاسرة .. غير ماهرة ..
وستبقى عصبتنا تناشد الحكومة بالوفاء .. حتى يصحل صوتها .
مرت المعاهدة بموافقة 149 صوتاً فقط ، من أصل 275 هم عدد أعضاء البرلمان ، والكتلة التي ضمت المتحالفين المطالبين بالإصلاح كانت 75 صوتاً ، وذلك يعني أنها كانت تستطيع إسقاط المعاهدة ، فمعاهدة بربع عدد النواب لا تكون قانونية ، ولكنهم لم يفعلوا ، ولا يستطيعون الإدعاء بأن المعاهدة كانت ستمر حتى لو عارضوها وأنهم تعاملوا مع حقيقة واقعة ومع شرّ حاصل لا يمكن تغييره ، وأنهم أرادوا تخفيف الشر .
كلا .. بل كان رفضهم سيؤدي إلى إسقاط المعاهدة .
السلوك ما كان يُعبّر عن ( حيلة المضطر ) ، بل هي قناعات تساهلية وليونة تراكمت وفكر تبسيطي للأمور ومحاولة تنظير لقضية المرونة يخرجها عن ضوابط الفقه ويجعلها تحوم حول الشبهات ، وأدنى درجات الموافقة على المعاهدة في الحكم الشرعي أنها " شبهة " إن لم تكن حراماً .. !
والمحلل السياسي قد يفهم عقد صفقة مع المستعمر الأميركي بأن نمرر له المعاهدة بمقابل تعهدات بالإصلاح السياسي ، لأنه المسيطر النافذ الكلمة ، فتكون هذه بهذه ، وأما أن نعقد صفقة غريبة بأن نمرر المعاهدة بتعهدات حكومية يقدمها خونة : فهذا ما لا يدركه العقل ، فما علاقة هذه بهذه ؟ هذه حكومة طائفية ، فإذا أرادت إيقاف ظلمها وتحقيق التوازن ، فلماذا أمنح بذلك حقاً لأميركا بالبقاء ؟ إلا أن يكون البقاء فيه حراسة للطائفية وتستفيد منه .. ! وهذا الوصف عندئذ يكون سبباً للشك في المعاهدة يدعو إلى رفضها .
منطق غريب لم نجده عند أي فيلسوف .. !
والنائب عمر عبد الستار أحد أركان تمرير المعاهدة يقول بعد التوقيع أنه يشك في تنفيذ الحكومة لوثيقة الإصلاح ولا يقدر احتمال الوفاء بأكثر من 50% ! فلماذا إذاً سارعت إلى التوقيع يا وكيلنا ؟
والاستفتاء يكون بعد ثمانية أشهر وبعد استقرار القواعد ، فأي أهمية ستكون له وبخاصة إن مدى إلزامية النتيجة قضية اجتهادية ليس فيها نص ؟ ولذلك صرحت وزيـرة الخـارجية الأميركية بـأن الاستفتاء سوف لن يؤثر شيئاً .. !
والآن فقط وبعد التوقيع نشر البيت الأبيض نص الاتفاقية باللغة الإنكليزية .. إذاً على ماذا وقعتم وأنتم تجهلون الفحوى الكاملة ؟
وللعلم : فإن النص الإنكليزي يسميها الاتفاقية الأمنية ، ولا يسميها اتفاقية الانسحاب ، إذاً هو اسم مخترع من المالكي فقط للدعاية والخداع .
والنائب الراوندوزي المتحدث باسم التحالف الكردي سارع إلى القول بأن المعاهدة تجيز التباحث لتمديد بقاء القوات الأميركية ، وهذا تأكيد واضح لما كنا نتخوف منه ، وتلميح إلى أن التمديد سيكون وأن الانسحاب ورد ذكره لتطمين الناس وسوف لن يكون .. !
وكان الشاعر نسيب عريضة قد أشفق على حمامة السلام أن يكون بعض ضرر أصابها من مزنة خفيفة طاهرة ، فقال :
أحمامةٌ بين الرياح ..
قد ساقها القدر المتاح ..
فابتلّ بالمطر الجناح ..
أما حمامتنا فكانت تقف عند النافذة السفلى تنتظر فتاتاً تذروه يد المالكي ، فغسل يده من آثار سمن ولحم ، ورمى بالزُفـرة والصابون من النافذة ، فتلوث جناحها ، وفاتها الفتات .. !
ثم ( تـَريَع ) المالكي بعد الأكلة الثقيلة وشرب الكولا .. !
وأنا أقول له ( عوافي ) ، تريع ما تشاء ، تجشأ ما تشاء ، بشطارتك .. !
وكان مالك بن نبي الجزائري يقول : قبل قصة كل استعمار هناك قصة شعب متخلف يرضى بالاستعمار ويغري الآخرين باستعماره .
والقياس يقول : قبل قصة كل خدعة سياسية هناك قصة مجموعة سياسية ساذجة تغري الآخرين أن يخدعوها .
وساستنا الذين وافقوا على المعاهدة ، ما ظلمهم المالكي ، ولا السفير الأميركي ، ولكنهم ظلموا أنفسهم ، وما زالوا يهيمون .. !
ومع كل ذلك فأنا أتأول حادثة الموافقة على المعاهدة خيراً ، لأنها أتلفت بعض المجموعة السياسية ، وهم بعض الكتلة الدعوية ، ومجرد جزء منها ، وأما الكتلة الدعوية والجهادية العامة فعلى وعي بحمد الله وموقف صحيح وفكر إسلامي واضح ، وبإمكانـها الاستـدراك ، وتصويب الممارسة ، ومداواة الجرح ، وتربية الدعاة ، وترشيح نفسها لقيادة أهل السُنة والجماعة في العراق، بل كل العراق .
q خدعة التمرير .. وسوء التدبير
¨ وحين اجتهدت في " نقض المنطق السلمي " الذي طرأ على العملية السياسية الإسلامية في العراق : ما كنتُ أتهمُ أحداً في نيته ، بل صرّحتُ في الصفحة الأولى بأني أرى ( أن التجربة بقيت إسلامية الهوية في عمومها ، واحتفظت بعِرقها الإيماني ، وبمقارنة بسيطة يُتاح للعدل المنصف المتجرد عن الهوى أن يجزم بأن أكثر رجال هذه العملية السياسية هم من الثقات وأهل العفاف ، وقد أكسبتهم الصلاة ميزة على أرهاط غافلة من حولهم ، ولكن تجربتهم محدودة ، فأورثتهم غرابة في الظنون ) ، وزدتُ بأننا ( نتقدم بملاحظاتنا إيماناً منا بإمكان الاستدراك على الخطأ ، وتعديل المسار ، ولسنا نتهم أحداً بسوء ، بيد أنها النصيحة ، والمؤمن مرآة أخيه )، وقد علّلت الأمر بأن ( الحاجة التي تولّدت من حصول الاحتلال وضرورة دفعه وإجلاء المستعمر ألجأت المسيرة إلى قفزة ينكرها علم التخطيط ، فظهرت تبسيطات في التصور، ووجوه خلل ، وكل ذلك قابل للاستدراك عليه بحـول الله ) ، ووصفتُ كلامي بـأنـه ( النقد الباني ، والبيان الإيماني ، ومَن يستغفر الله ويتبرأ من التأويلات السلمية الغلط : يجد الله تواباً رحيماً ، ثم يجدني مصافحاً له ، ولستُ لئيماً ) .
وكان الحزب الإسلامي قد أصدر بياناً أجمل - وبوضوح تام - عناوين الملفات العراقية الساخنة التي أهملتها المعاهدة الأمنية ويرى الحزب وجوب حلها وتضمين المعاهدة تفاصيل الحلول وعناوينها :
¢ المصالحة الوطنية ¢ التوازن الطائفي ¢ إصلاح القوى الأمنية
¢ المعتقلون ¢ المفقودون ¢ الـمُهجّرون
¢ تعديل الدستور ¢ النزاهة ¢ نفوذ الدول المجاورة
¢ المشاركة في صنع القرار ¢ وضع نهاية للشعور بالحيف والظلم
فهذه القضايا المهمة كلها هي نتاج السياسة الأميركية الخاطئة التي مارستها في العراق أثناء الاحتلال ، بل من قبله حين رعت مؤتمر المعارضة في لندن ودعت رؤساء أحزابها إلى زيارة البيت الأبيض للتفاهم المباشر مع الرئيس بوش ، ولذلك تبقى الأوضاع النشاز الناجمة عنها تحت المسؤولية الأميركية ، وعليها أن تعالجها وتعيد الأمور إلى نصابها قبل أن تغادر العراق ، ولا يصح أبداً أن تزعم أميركا أن هذه هي من الأمور الداخلية الخارجة عن صلاحياتها ، لأنها سبق لها وأن تعاملت مع كل هذه الملفات ، وبالحيف والانحياز فيها ضد أهل السُنة ، ومن المنطق القوي الذي استعمله الحزب في بيانه : التذكير بأن أميركا تدخلت في الشأن الداخلي للعراق أصلاً حين قررت الغزو وعلى مسؤوليتها الفردية دون تخويل دولي ولا إذنٍ من الأمم المتحدة ، ولذلك يبقى الإصلاح في رقبتها ، ولا يجوز لها التنصل ، وعليها قبل الانسحاب أن تعيد الحقوق وتحقق التوازن وتطهّر القوات المسلحة من النفوذ الطائفي وتطلق سراح المعتقلين لديها من دون تسليمهم إلى الحكومة ، مع تعديل الدستور ، وإنهاء التدخلات الإيرانية في داخل العراق ، والتي تمت ونمت تحت بصرها وفي رعايتها ، ثم إيجاد ترتيبات إقليمية مع تركيا والبلاد العربية المحيطة بالعراق لمنع إيران من التدخل في العراق أو احتلاله أو احتلال بعض أراضيه ، وتقديم ضمانات دولية بذلك ، وتضمين المعاهدة نصوصاً واضحة فيها تثبيت لكل هذه المعاني من أجل أن نعتبر المعاهدة عادلة ويمكن التوقيع عليها من قِبَل الساسة الإسلاميين .
وكان هذا من الكلام الجيد الجميل للحزب ، لكنه عدل عنه إلى جعله ضمن وثيقة الإصلاح فقط لا المعاهدة ، وذلك مكمن الخطأ .
ولكي تكون المعاهدة معاهدة جلاءٍ حقيقيٍ يجب أن يُلغى البند الذي يجيز للحكومة العراقية أن تطلب تجديدها ، لنطمئن إلى أن القضية جادة وليست مجرد فذلكة لتمرير التوقيع ، وكذلك يلزم منع القوات الأميركية بعد التوقيع من الخروج من القواعد لضرب العراقيين ، كي نفهم أن المعاهدة ليست مجرد ترتيب ضد الجهاد ، ومن مذهبي وقناعتي أن الحزب الإسلامي كان يجب عليه أن يشدد في أثناء رفضه ووثائقه على هاتين السلبيتين ، ويضيفهما إلى قضية إهمال الملفات الساخنة تلك ، وإلى طلب الاستفتاء ، لأن موضع الخطورة يكمن في القواعد وفي ملاحقة المجاهدين ، وإهمال الملفات الساخنة خطر أيضاً ، ولكنه أقل حجماً ، أو أنهما يتوازيان ويتعادلان في الأهمية ، مما يجعل منهجية الحزب في معارضة الاتفاقية بالتركيز على الملفات فقط منهجية ناقصة ، وموضوع الاستفتاء غير مضمون النتيجة ، لأن غالبية الأكراد والشيعة وأهل المطامع والمصالح من رجال السُنة أنفسهم سيصوتون بالموافقة ، بل ومن الراجح أن تلجأ الحكومة إلى تزوير نتائج الاستفتاء ، كمثل ما فعلتْ من تزويرها نتائج الانتخابات البرلمانية ، وعندي أن الحسنة الوحيدة في الاستفتاء هي نشر نصوص المعاهدة علانية ، ليحكم عليها الشعب ، ومع ذلك فلا نأمن الحكومة أن تكون قد أبرمت ملاحق سرية ، ولذلك لا أرى صواب لهج رجال الحزب بمطلب الاستفتاء وكأنه المنقذ والحل الأمثل ، بل ذكر القواعد واستمرار المقاتلة وإهمال الملفات هو الموضوع الذي يستحق التركيز عليه .
ثم في الاتفاقية نقاط سلب أخرى متعمدة :
من ذلك : أنها نصّت على حق الجيش الأميركي في مقاتلة القاعدة والخارجين على القانون وفلول النظام السابق ، لكنها لم تنص على مقاتلة الميليشيات الحزبية الطائفية ، مع أنها سبب المصائب ، وذلك لأن حزب الدعوة هو الذي صاغها وكتب بنودها ، والمعاهدة من هندسته وصناعته ، وهو يملك ميليشيا خاصة به ، وينظر إلى الميليشيات الأخرى على أنها ضرورة لحفظ المصالح الطائفية ، مع أنه يتنافس مع أحزابها ، والجيش الأميركي يقاتل ميليشيا المهدي الصدرية فقط ، وعلى استحياء ، وأوضحنا مراراً سبب ذلك ، وأن القضية تتعلق بتحريك إيراني له على خلفيات الخلاف حول المفاعل النووي الإيراني ، وأما معالجة تسرّب الميليشيات إلى القوات المسلحة واكتسابها الصفة الرسمية فلم تتطرق إليها المعاهدة ، بل كيف ننتظر ذلك وقد كان ذاك التسرب بمباركة الجيش الأميركي وتحت سمعه وبصره ورعايته ؟ بل وإغفال المعاهدة الإشارة إلى الميليشيات يعدل في قوته حُكماً قضائياً يمنحها حق الاستمرار ، ثم هو قرار سياسي ودستوري لصالح الميليشيات في مفهوم القانون الدولي الخاص ، وهو أعلى من الحكم القضائي ، وهذه الحقيقة توجب على الحزب أن يُضاعف معارضته للمعاهدة ، وأن يسعى لإسقاطها حتى لو استطاعت الحكومة تمريرها بطرق ملتوية .
واسترعى انتباهي أيضاً أن التعهد الأميركي بعدم الانطلاق من القواعد العراقية لضرب دول أخرى لم يأخذ مكانه كاستدراك على المادة الرابعة في المعاهدة الأمنية ، وهي المادة التي منحت أميركا حق إقامة القواعد ، وإنما كانت إضافته إلى مقدمات المعاهدة الملحقة المسماة " معاهدة الإطار " المختصة بالقضايا الاقتصادية والثقافية بين البلدين ، وهذه فذلكة مقصودة ، لأن معاهدة الإطار هي دون المعاهدة الأمنية في درجة الإلزام ، ويمكن للطرف الأميركي أن يتنصل من هذا الشرط لعدم وروده في السياق الأمني ، مما يميل بنا إلى سوء الظن ، وبلغني أن الكونغرس الأميركي يملك سلطة رفض بعض بنود الاتفاقيات التي تعقدها الحكومة أو وزارة الخارجيـة الأميركية أو البنتاغون ، وذلك يعني أن الطرف العراقي سيلتزم بحرفية المعاهدة ، ولكن الطرف الأميركي يسعه أن لا يلتزم ، فتكون هذه النصوص في الانسحاب أو عدم الانطلاق من القواعد لضرب دول المنطقة مجرد عبث ولغو من الناحية القانونية ، ومن الممكن أن تبقى السياسة الاستعمارية كما هي على الرغم من توقيع المعاهدة ، والمخرج من هذا الاحتمال والحل إنما يكون باشتراط موافقة الكونغرس على الاتفاقية بمقابل شرط موافقة البرلمان العراقي ، سواءً بسواء ، وأن لا تعتبر الاتفاقية ملزمة للعراق إذا لم يوافق عليها الكونغرس ، وكان المأمول أن يدرك الحزب الإسلامي هذا التلبيس الأميركي ، وأن يفضح هذه المناورة ، وأن يتداولها الخطاب الإعلامي الحزبي بوضوح وإلحاح ، ولكن الحزب لم يفعل وانطلت عليه الخدعة ، ومثل هذه الفذلكات هي سر حرص المالكي على عدم إذاعة النصوص الكاملة لوثيقة المعاهدة ، لأنه يخاف من أن يتداولها رجال السياسة والقانون بالدرس والتمحيص ويكتشفوا جوانب ضعفها وسلبياتها وتكون منهم توعية للشعب العراقي وللأمة الإسلامية جميعها ، وإلا فكيف يُعقل أن نطلب من الناس الرضا باتفاقية لا يعلمون فحواها وشروطها ؟ وكيف نوافق نحن رجال الفكر أو رجال السياسة أو رجال الإعلام عليها ونحن لا نعرف ماهيتها والتزاماتها ؟ وهل يكون هذا التعتيم إلا لوجود تنازلات وبيع للحقوق ؟ وهل من صورة تنطبع في خيالنا عن المعاهدة إلا وسوء الظن هو الذي يرسمها، والشك ، ورد الفعل السلبي ؟
هذا فوق شكنا الأصلي في أن بند الانسحاب يراد منه تمرير التوقيع وأنه خدعة تقابل الرفض المتصاعد ، ثم بعد مدة تطلب الحكومة العراقية الموالية لأميركا تجديد المعاهدة وتمديدها لعشر سنوات ، والحل يكون بإلغاء البند الذي يمنح الحكومة حق طلب التمديد ، وعند ذاك فقط يكون بند الانسحاب بعد ثلاث سنوات جازماً مُبرماً ويتحقق نصف الصواب في هذه القضية الغامضة الشائكة التي تتلاعب بها النصوص ، والنصف الآخر يكون من خلال منع الجيش الأميركي من الخروج من القواعد لضرب المجاهدين .
وهذا هو الذي لم يدركه صالح المطلك فصرّح بأن المعاهدة حققت ما عجزت عنه المقاومة ، وذلك أن المعاهدة لم تحقق الانسحاب ، وإنما هو وعدٌ سرابي يمكن أن تنقضه رغبة الحكومة العراقية وتطلب من القوات الأميركية البقاء ، وذلك هو الذي سيكون ، لأن رجالها هم الذين ذهبوا إلى بوش سابقاً وطلبوا منه احتلال العراق ، ويمكن أن يتكرر طلبهم الآن وغداً وبعد غد ، لأن العربي منهم طائفي في صياغته النفسية والفكرية ، والكردي منهم انفصالي يريد حماية انفصاله بالمارينز ، وعلى فرض أن الانسحاب سيكون : فإن كل مراقب منصف يدرك تماماً أن ضربات المقاومة العراقية الباسلة هي التي غيرت قرار العدو بالبقاء الطويل ، وجاء المالكي ليسرق الإنجاز الجهادي ويزعمه لنفسه ، بل وأصبح يغالط ويتهم من يعارض المعاهدة الخرقاء بأنه يريد بقاء الاحتلال ، وذلك من أقبح الزور والبهتان .
والذي استقرت عليه قناعتنا أن كل الأحزاب العراقية لها مصلحة حقيقية في إبرام المعاهدة وتريدها وتطرب لمحتواها الظالم ، فالكردي من هذه الأحزاب يريد حماية أميركية عند إعلان استقلال كردستان من احتمالات تدخل تركي أو إيراني ، أو على الأقل حماية مكتسباته الحالية التي لم يكتسبها إلا بتمكين أميركي يراعي خدمة خطة تفتيت العراق في توفير الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي .
والطائفي من هذه الأحزاب يريد مقصداً مماثلاً ، ويرى في المعاهدة بقاء القوات الأميركية لتحمي مكتسباته الحالية ، وبلوغ مرحلة أخرى في السيطرة على المحافظات السنية وتهجير الشيعة لها وجعلها مختلطة ، وذلك هو سر مهاجمة المالكي مؤخراً لقضية الفدرالية ، مع أنها كانت مطلباً طائفياً سابقاً واستقتلوا من أجل تثبيتها في الدستور ، وهم اليوم من بعد سيطرتهم على الجيش والشرطة والمخابرات يتنكرون للفدرالية من أجل قطع الطريق على أهل السُنة في حماية أنفسهم في فدرالية خاصة إذا اشتدت المضايقة الطائفية ضدهم ، وأول أفعال المالكي في تنفيذ هذه الخطة الجديدة أنه بعث بلواء من الجيش طائفي التشكيل إلى الموصل بزعم محاربة القاعدة ، واستقر هناك من دون أن يحارب القاعدة ، بل جعلها تفتك بالمجاهدين والأخيار ، فلما استقر اللواء : منح ألفين من منتسبيه قطعاً من الأراضي حول مدينة الموصل ليبنوا عليها مساكنهم ، وصرف لهم قروضاً مصرفية لتمكينهم من ذلك ، مع مساعدات خفية ، وبذلك صارت مدينة الموصل السُنية العتيدة مختلطة ، ثم بالتدريج تحصل عمليات أخرى مماثلة ، فتسقط كل المنقطة العربية في العراق تحت الهيمنة الطائفية ، ولا تعود ممكنة حتى الفدرالية السُنية التي أوسعنا فكرتها شتماً ، مع أنها قد تكون الملاذ الأخير لنجاة أهل السُنة في حالة الاضطرار ، والأحزاب الطائفية تدرك جيداً حاجتها لمعونة القوات الأميركية في إتمام تنفيذ هذه الخطة الاستئصالية التفوقية ، ولذلك فإنها تؤيد المعاهدة الأمنية ، خلافاً للرغبة الإيرانية التي ترى خطر بقاء القوات الأميركية في قواعد دائمة على حدودها ، فعلى الرغم من القاسم المشترك الطائفي بين هذه الأحزاب وإيران : فإن مصالح الفريقين متضادة ، وذلك هو سر زيارات الزعامات الطائفية والعراقية لإيران ، يريدونها أن تتفهم مصلحة الطائفية في إبرام المعاهدة ، وليس تطمينها بعدم مهاجمة أميركا إيران منطلقة من القواعد العراقية ، كما كان يشاع في تفسير تلك الزيارات ، ويبدو أن وجهة نظر الأحزاب الطائفية هي التي انتصرت ، ولم يشذ عن ذلك سوى الصدر وجيش المهدي ، لعمق صلاته الخفية بإيران ، أو لحسابات نجهلها ، وأهل السُنة غافلون عن كل ذلك وعما يراد بهم ، والبلاد العربية كلها غافلة ولا تدري من هذا الخبر شيئاً .
وعلينا أن ندرك خطورة الزحف الإيراني والانتشار الطائفي ، وأهل السُنة قبل غيرهم يستبد بهم الذهول وتطحنهم الحيرة ، إذ الموت يقترب منهم ، والتهجير ، والإفقار ، والعزل ، والتهميش ، وأكثرهم يتبع المخادعين ، من بين علماني ، وخائن ، وطامع بدولار الأميركان .
q حليبنا الطاهر ... ضمانة
¨ كل هذه المعاني والاستنتاجات والتخوفات هي التي سيطرت على القرار الشوري الدعوي حين رَفَضَ وبأغلبية كبيرة التوقيع على المعاهدة عند الاجتماع القيادي الحاسم الذي استند إلى دراسات شرعية وواقعية واستشرافية قدمتها لجان مختصة بين يدي المجتمعين الذين يمثلون كل المنظمات الدعوية ، وصار تبيان وشرح خطأ التيار الذي أراد الموافقة ، ولكن بعض رجال الحزب وبمفهومهم اللين لمعنى المرونة وخوفاً من استبداد إيران بالعراق إذا لم تعقد المعاهدة أصروا على اعتقادهم واجتهادهم بتمرير المعاهدة، وكان المفروض أن ينزلوا عند حكم القرار الجماعي ، ولكنهم انفردوا ومالوا إلى التوقيع بزعم أن وثيقة الإصلاح السياسي سيكون فيها التعويض ، وهو اجتهاد منهم خاطئ ، ورفضه الإخوان المسلمون ، وسارعوا إلى إصدار بيانهم الواضح في رفض المعاهدة .
والتردد أو اختلاف الاجتهاد هو من ظواهر العمل السياسي ، والعقول متباينة، والنفوس متنوعة ، ولن يكون إدراك مواطن الشبهات واحداً عند جميع الدعاة ، وإنما المهم أن توجد مرجعية فكرية يكون الاحتكام إليها ، وذلك حاصل في أوساط الدعوة الإسلامية بحمد الله ، وأن تعم الشورى ، وهي وسيلة وآلية مؤكدة بين الدعاة ، ولذلك حين طرأت الحيرة وتشعبت مذاهب الدعاة في فهم سر المعاهدة : كان القرار الشوري هو الفيصل واتضح رجحان سلبيات المعاهدة ، واقتنع معظم الدعاة بوجوب رفضها ، بل وحدث ما هو أكثر من ذلك ، من الانتباه إلى الإفرازات الجانبية السلبية التي أفرزها العمل السياسي ورصدها كتاب " نقض المنطق السلمي " ونصح بعلاجها ، فكانت الانتباهة سريعة بحمد الله ، لاقتران قسوتي عند غضبتي بحلم يستولي على قلبي يدركه المنصفون ، وبرحمة وحرص على تحصيل مصالح الدعوة ، وانطلاقي من دوافع أخوية خالصة من شوائب المزاحمة والتخذيل وسوء الظن، وأنا أرجو أن يكون مستقبل السياسة الإسلامية في العراق أحسن مما مضى ، مع أن المحن ستعكّر علينا شيئاً ما ، وسيسلط الأعداء علينا الغوغاء والخوارج ، ولكن نوينا الصبر والدفاع عن النفس بما يباح شرعاً ، وكان العتاة يفهمون حلمنا ضعفاً ، ويعتبرون عقلانيتنا عجزاً، ولسنا كذلك أبداً ، وإنما أحببنا أن لا نزيد رهق الناس ، وأما جهالة الملحاح فإن لها عندنا من العلاج ما يردع الغوي المسرف ، والمفروض فينا نحن معشر الدعاة أن نكون على قلب رجل واحد ، السلمي منا والمجاهد ، فكلنا تحت ظلال القرآن والشورى والإخاء نقف ، ومن موازين الإيمان ننطلق ، ولقواعد الشرع نذعن ، فعلينا أن نكون أوفياء لقضايا الأمة الإسلامية ولوحدتها .
ومن الأدب القرآني في الشورى بعد ممارستها : أن تجزم وتؤكد المضي في الدرب ، وذلك قوله تعالى : " فإذا عزمتَ فتوكل على الله " ، وليس من الصواب التردد بعد القرار الشوري .
وقد انتبه أخ لي إلى أن آية " وأمرهم شورى بينهم " نزلت في غزوة اُحُد وليس في بدر ، حيث كان النبي r يوم اُحُد يكره الخروج إلى جهة اُحُد ، ولكن الذين استشارهم رأوا الخروج من المدينة ، أي كأنها إشارة إلى أن الشورى حتى لو استقرت على قرار يخالف الصواب فإنها أفضل ، لأنها تحفظ وحدة المسلمين ، وأما اختلاف الجماعة فهو أكبر سبب للتراجع ، وأعتى من عدوان العدو ، وأشد خطراً من أميركا ، وبمثل هذا الوعي يستقبل الدعاة قرارهم الحاسم في الإنكار على المعاهدة .
وكان سيد قطب رحمه الله قد شخّص من قبل أكثر من نصف قرن أن العدو الأكبر للعالم الإسلامي هو أميركا وليس الاتحاد السوفيتي ، بعدما زارها ورأى توجهها الفكري وغرورها .
أما كيف يصحو أهل السُنة وهم بهذا الحال من التعب والتباس الصواب عليهم : فذلك هو السؤال الأكبر .
إن أهل السُنة أسرى ذكريات معسكرات اعتقال الحكومة لأبنائهم وما في سجونها من تعذيب بشع وثقب الأبدان بالمثاقب الكهربائية ، وأسرى ذكرياتهم مع جيش المهدي واستيقاظهم كل صباح على منظر مائة جثة مقطوعة الرؤوس ، وهم يظنون أن استمرار بقاء القوات الأميركية سيحميهم من تكرار ذلك ، بينما هذه الحماية لن تكون ، لأن الأحزاب الطائفية والميليشيات التابعة لها ستزداد قوة بوجود الاتفاقية ، ولأن تلك المجازر أرادها المستعمر الأميركي نفسه ، وكانت تجري على مقربة من دورياته التي لم تمنعها ، لأن خطته في تدمير العراق رعاية للمصلحة اليهودية كانت تقتضي إجفال أهل السُنة وتهجيرهم وتخريب معنوياتهم ، وسيفعلها الجيش الأميركي ثانية .
إن التشخيص الصحيح لحال أهل السُنة : أنهم في " هستيريا جماعية " أصابتهم ، وأعراضها المرضية هي نفس الأعراض التي تظهر على الفرد المصاب بالهستيريا ، من الهلع ، والخوف من المجهول ، والهرب من الظلام ، وشدة الحذر وتصاعده أحياناً إلى درجة العدوان على أفراد عائلته وعلى أصدقائه ، وهي نتائج تعمدتها السياسة الأميركية ، ويبدو أن فريق الطب النفسي الملحق بالقوات الأميركية هو الذي أوصى بها ، رداً على احتضان أهل السُنة للجهاد ، ومن هنا يجب أن يبدأ العلاج ، من معالجة النفس ، وليس عندنا ما يكافئ الطب النفسي التجريبي من طب نفسي بنائي إيجابي ، ولا نعرف مثل دندنتهم ، أو هي من العلاج الطويل الأمد حتى لو عرفنا طرائقها ، ولكن عندنا الإيمان والاستشفاء بمعاني القرآن ورد الخائف إلى أخلاق الإسلام وإلى عُرف العراقيين الأمجاد جيلاً بعد جيل ، وفي الصلاة دواء، والمسجد هو المثابة التي منها ننطلق وإليها نعود ، والدعاء والتوكل على الله هو الذي يجلب سكينة القلب وطمأنينة النفس ، وعلاجنا غير سياسي ، في هذه المرحلة ، بل هو علاج شرعي ، وعلى الدعاة التواصي بينهم بالرجوع إلى المساجد وجعلها منطلقات العمل والإصلاح ، وليست المقرات الحزبية هي البديل ، ونحن في أزمة ، نديرها من المساجد وبالمواعظ والفقه وتداول السياسة الشرعية ومعرفة النفس وأحوالها وأمراض القلوب وعللها وتمييز مقامات الإيمان وعلم الحلال والحرام وأدب العزة والاستعلاء والشمم وقصص الأجيال الأولى والقرون الفاضلة وشجاعة السلف ورصيد الشرف الموروث ومناقب الآباء وطب الحليب الطاهر ، ومن جانب المحراب يبدأ سيرنا وتوغلنا وعلاجنا ، وتبدأ سياستنا ، حتماً جزماً ليس معهما مجال لوسوسة شيطانية وإرهاب أميركي ، بل على سنن الصفاء الأصلي وطرائق الوفاء القديم ، وهذه هي الملامح العامة لخطة الإصلاح الدعوي الاستدراكي في العراق ، وثقة بعضنا ببعض هي محور التحرك ، وتوكيل الفرقة الجهادية بتحصيل الحقوق واسترداد المسلوب قضية مركزية في فكرنا ، والتفويض إلى الله تعالى بعد رص الصفوف واتخاذ الأسباب هو أهم معالم دربنا ، ونصارع قدر السوء الذي يغزونا بقدر الخير الذي نعتصم خلاله بالدين وبأهل الدين من الدعاة والمجاهدين والساسة ، ثم نستقيم على الطريق حتى يأتي أمر الله بزوال الشدة والمحنة ويحل الفرج والنصر بإذن القوي العظيم سبحانه .
q هذا وقت الضرب ... لانكشاف الخاصرة الأميركية
¨ وأهم دليل على صواب قرار رفض المعاهدة الأمنية : أنها جاءت في وقت ضعف أميركا وانشغالها بالأزمة المالية الطاحنة ، فالعقار في كساد وتضاعفت نسبة استرجاع البنوك للعقارات المرهونة ، لعجز المشترين عن سداد الأقساط ، وصناعة السيارات في كساد ، ومؤشر داو جونز انخفض إلى ما يقارب النصف من قيمته الأولى وأهلك معه المؤشر الياباني وتسبب في أزمة عالمية ، وكل المحللين يتهمون قرار بوش في حرب العراق بأنه السبب الكامن وراء هذه الأزمة ، وقد استدانت أميركا خمسة آلاف وأربعمائة مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية ، وهي عاجزة عن السداد ، وبحاجة إلى استدانة ألف مليار دولار أخرى خلال سنة 2009 ، وخرجت الأمور عن السيطرة ، وحكمت المحكمة بوجوب دفع ألف وخمسمائة مليار دولار من أميركا إلى كندا عن مستحقات ضرائب جمركية متراكمة ، مع مطالبات من دول أخرى ، وأصبحت الصين تملك عناصر التفوق الاقتصادي على الاقتصاد الأميركي ، ودخل كل العالم في متاهة ، وأميركا بخاصة في مشكلة حقيقية ستضطر معها إلى الانكفاء على نفسها ومداواة جروحها وإنهاء خطة العولمة والحروب وتنصيب نفسها في وظيفة شرطي العالم .
وقد تكلم خبير أميركي من خبراء استشراف المستقبل بمعهد فينا في النمسا اسمه الدكتور كاستي ، وهو من كبار علماء الرياضيات في أميركا بجامعة أريزونا سابقاً ويطبق المعادلات الرياضية في عمليات تحليل الأزمة الاقتصادية ، فذكر أن مؤشر داو جونز سيواصل الهبوط إلى مستوى ألف نقطة فقط ، أي في حدود 8 % من قيمته قبل الأزمة ، وأن هذه الأزمة ستطول سنوات عديدة وتكون أشد من أزمة سنة 1931 ، ووصفها بأنها آخر مسمار في نعش أميركا والعولمة ، وما كان يجلس في مقهى ويسمر بهذه التوقعات ، وإنما هي ضمن تقريره الذي ألقاه في مؤتمر في سويسرا عن مدى تأثر أوربا بالأزمة ويستمع له كبار خبراء الاستشراف والإستراتجية في العالم ، وكان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر المنصرم ، وأعاد إلى الأذهان أنه تنبأ بحصول هذه الأزمة قبل سنتين ، ولكن لم يصدقه قادة السياسة الأميركية ووصفوه بأنه متشائم .
ويتفق هذا التحليل مع تقارير السياسي الأميركي المخضرم ليندن لاروش المعروف بعدائه للصهيونية منذ عشرات السنين ، فإنه يعزو سبب الأزمة إلى رعاية أميركا للمصالح الإسرائيلية وخوضها الحروب من أجل أقلية يهودية يراها حثالة تعادي جميع الإنسانية ، وأقواله مبسوطة في الفصل الخاص بالتعريف به في موسوعة Wikipedia على الانترنت ، وقد رأيتها ، وأدركت وعي هذا الرجل ودخوله السجن مرات عديدة بتحريش من اللوبي الصهيوني .
وكذلك يفعل التبدل الرئاسي فعله في إضعاف العولمة الأميركية ، لا من باب حسن الظن بالرئيس أوباما ، فإنه خاضع لسيطرة اللوبي الصهيوني فيما يبدو ، وبدأ باختيار أهم وزرائه من بين مجموعة الساسة الذين أيدوا بوش وصوتوا لصالح قرار غزو العراق ، والرجل مصلحي وقد تعهد بحماية إسرائيل ، وليس ببعيد أن تكون أمه يهودية ، ولكنه ملزم بإجراء تغيير اجتماعي لصالح السود وبقية الأقليات الأميركية المساندة للحزب الديمقراطي، وقد ابتنت سياسته الانتخابية على ذلك ، وخطته الاجتماعية تحتاج صرف أموال كثيرة لا يستطيع توفيرها إن استمرت حرب العراق في ظل الأزمة المالية ، وحتى مدى انشغاله بالحرب نفسياً وإدارياً سيمنعه من إحداث الإصلاح الاجتماعي ، ولذلك فإنه ملزم بتخفيف الوتيرة في العراق ومحاولة الانسحاب ليتفرغ للقضية الاجتماعية ، وهو مكره على ذلك وما هو ببطل ، وهذا التحليل هو أصدق من التحليلات الأخرى المتطرفة التي تذهب إلى أن أصله الإسلامي سيحركه لصالحنا ، أو أنه سيكون مثل بوش تماماً ويسرف في العداوة ، والوسطية أصوب ، والقول بأن الأزمة المالية تمنعه من شدة العداوة أقرب إلى الدقة، وشخصيته السوداء ربما تدعه يتصرف في بعض المجالات تصرفاً أقرب إلى العدل ، ولكن الأفارقة تسود بينهم التربية الاستعمارية البريطانية التي أقنعتهم بأنهم كانوا يتعرضون لاستعمار عربي، وشعب كينيا بالذات تؤلمه ذكريات صيد العبيد قديماً وبيعهم في أنحاء الخليج ، ولربما يخضع أوباما لمثل هذه التشنجات التاريخية التي تدعه يستمر في عداوة حكومة السودان العربية ومساعدة ثوار دارفور والجنوب وجماعة قرنق ، ولكنه لن ينصب من نفسه عدواً للإسلام وناصراً للصليبية كما نصب بوش نفسه وفاه لسانه بأن حربه على العراق هي آخر الحروب الصليبية ، ولكن ربما يجبر العراق على عقد صلح مع إسرائيل .
لكل ذلك ، واستثماراً للعقوبة الربانية التي أرهقت اقتصاد أميركا وكل العالم الظالم : يجب أن ندفع باتجاه جولة جديدة ثانية في الجهاد العراقي البطولي .
ويقول البعض : ولكن كانت هناك ثغرات ، واستعجالات ، وسلبيات ، وكل ذلك صحيح ، لكنه لا يدعو إلى إلغاء الجهاد بل إلى ترشيده ومعالجة أنواع الخلل التي ظهرت عند الممارسة ، وبعض الناقدين يستغرب ما كان من إعلان الجهاد مبكراً من دون المرور بمرحلة تحضير ودراسات واستعداد ، كما هو شأن التخطيط لكل أمر كبير مهم ، والحقيقة أنني وكل الذين رأوا وجوب فورية الجهاد بعد سقوط بغداد مباشرة لم نذهل عن هذه القضية ، ولكن كانت موازنة بين إيجابيات استثمار حرارة الأجواء ووفرة السلاح الموروث عن الجيش العراقي ، وبين التأني الذي يحمل في ثناياه احتمالات رسوخ القدم الأميركية ، فترجح جانب الفورية ، وكل أمر يضطرنا الاستعجال إلى ممارسته لا بد أن تحصل معه أخطاء وسلبيات ، وتحققت أنواع من النجاح ، وإذا أردنا تطوير الجهاد في المرحلة القادمة فإن تلك السلبيات يجب أن تعالج ، ولا ندعي العصمة للمجاهدين ، والمقاومة ليست ملاكاً ، بل هي تقوم على جهد جماعاتٍ بشرية فيها مستويات شتى ، وقد يكون المجاهد يحمل روحاً وثابة ولكن لم تهذبه التربية ولا له رصيد من العلم الشرعي أو المعرفيات ، فيقع في الخطأ ، فنغفره له بشفاعة نيته .
q محاججة فقهية وفق منطق أصولي
¨ وأشاع السلميون من الدعاة شعاراً نسبوه إلى الفقه نصّه :
( البلاغ المبين يوجب القتال ، ولكن السياسة الشرعية تؤجل المنازلة )
وهذا قول فيه تحكّم وتدليس على المقابل الذي لا يعرف لغة الفقه واصطلاحات علم الأصول ، فهذه الصيغة تشير إلى أن السياسة الشرعية لها حكم واحد مبتوت به في هذه الحالة نجزم به بتأجيل المنازلة ، وكأنه لا خيار لأحد أن يتفلت من هذا الحكم ، لئلا تلحقه تهمة الجهل بالسياسة الشرعية ، وذلك شأن يأنف منه المصلي فضلاً عن الداعية أو المجاهد ، بينما الأمر ليس كذلك ، وهو لا يزيد على أن السياسة الشرعية واسعة وتقبل جميع الاحتمالات والتخريجات التي يكون لها سبب وجيه معتبر شرعاً أو تتوافق مع قواعد الفقه التي من جملتها : وقفة الاستعداد التي تؤجل المنازلة عند الضرورة لعدم الاستطاعة ، فيكون هناك انتظار إيجابي تجري خلاله التحضيرات وتعبئة القوى والتدريب ورفع المعنويات وجمع المعلومات الاستخبارية ، وما شابه ذلك من مقتضيات القتال ، ولا يكون الرد ساذجاً وضعيفاً ، لأن الفورية في الرد في حالة مباغتة العدو لنا غير لازمة ، بل يسوغ التأجيل أو الانسحاب مع الشروع بالتحضير ، وذلك حكم اجتهادي محض يمكن أن يكون صائباً ، ويمكن أن يتلبّس بتقديرات خاطئة ، وهو تأويل تحتمله السياسة الشرعية ، كما تحتمل الموقف الآخر المضاد له الذي يقول بضرورة فورية الرد على الاحتلال لئلا تبرد العزائم مثلاً ، ولئلا تترسخ قدم المستعمر ، وبهذا تكون القضية خلافية ، وتكون تمضية اجتهاد الأعلم ، أو اجتهاد الأكثرية عند الشورى ، أو اجتهاد الأمير ، بحسب النظام الإداري للجماعة المجاهدة أو التي تنوي الجهاد ، وكل هذه الطرائق جائزة شرعاً .
وعلى ذلك فإن السياسة الشرعية ما هي بحكم واحد ملزم كما يوحي بذلك ظاهر لفظ الشعار الذي اختارته المجموعة المقتنعة بالعمل السلمي ، بل الاجتهاد يتعدد ، وفي هذا التوهيم افتيات على حق الآخرين في اجتهاد مقابل، والعارف بلغة الفقه يميز بوضوح أن هذه الصياغة في هذا الشعار احتاجت إلى ذكاء حاد ، ولذلك يترجح أن الذي صاغها ما كان يجهل اجتهادية القضية ، بل صاغها بهذه الكيفية عن عمد ونية صرف الدعاة عن ممارسة الجهاد وتحويلهم إلى اجتهاده السلمي هو ، ولا نتهم أحداً بخيانة والعياذ بالله ، وإنما هي كذلك معركة احتدام الآراء الاجتهادية عند اختلاف المجتهدين ، وكل أحد يتحمس لتأويله واجتهاده وتفسيره وقراءته للواقع ، ويجوز له ذلك ، لكن ما لا يجوز هو ادعاء احتكار الصواب من خلال ألفاظ وصياغات لغوية تخفى أسرارها ومراميها على مَن لم يدرس الفقه .
وأنا لمثل هذا كنت أقول دائماً بأن الدراسة الشرعية ضرورية للدعاة ، لئلا يوهمهم أحد بقناعات مرجوحة ، أو يزعم أمامهم أن الحق واحد لا يتعدد ، وهو ما يقوله ، بل تقوم الثقافة الشرعية والأصولية بخاصة بوظيفة تميـيز الصواب من بين آراء عديـدة مطروحة ، ولهـذا وضعت كتـابي الضخـم " أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي في نظريات فقه الدعوة الإسلامية " في أربعة أجزاء ، وأرشدت به الدعاة إلى تمييز الوعي القديم عن الأقوال العقلية المحضة التي تفتقد شهادة الشرع وتفتقر إلى منطق أصولي تقعيدي يزنها ويقومها ويحكم عليها ، وقد راج شعار " تأجيل المنازلة " الذي يتقول على السياسة الشرعية ، ورزح تحت وهمه ألوف من الدعاة لأمد طويل بسبب ضمور العلم الشرعي عندهم ، وما كان يسوغ لهم ذلك ، ولم يـأذن الفـقـهاء أن تـكون طاعـة أعضـاء الحزب لقيادته حولاء وعـوراء ، وإنمـا يجب أن تـكون طاعتـنا " واعية " وبالمعروف وعلى بصيرة من مذاهب الفقه وكتلة الاجتهادات المتنوعة، لقول الله تعالى في آخر سورة يوسف : " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني "، والثقة شيء جميل وفضيلة إيمانية ، ولكنها مشروطة بشروط الشرع ، سيما وأن الجهاد كان قائماً وعلى طول الخط ، وله أدلته ومنطقه وممارساته العملية ، والدعاة جزء منه ، وكان من اللازم إجراء المقارنة واستنباط ما هو الأصح والأقرب إلى مراد الله وروح الإسلام ومفاد القرآن وحقيقة التاريخ وعرف المؤمنين ومواقف السلف الصالح ، ولكن الثقة أضافت لنفسها زيادة تضخمية فأصبحت انحيازاً ، وتحولت الطاعة إلى موقف تقليد ضعفت فيه حاسة القياس والاستنتاج والتحليل ، فصار السُدور ، على الرغم من براءة الصدور ..! وذلك هو سبب غضبتي وصراحتي عندما نقضت المنطق السلمي ، ورأيت أن تقرير المصير والموقف التاريخي الحاسم لا ينبغي تركه بيد عدد قليل من رجال العملية السياسية فقط وتقتصر مداولته بينهم دون إشراك كل الدعـاة وجميع الأمة ، مع أنهم على إخلاص ولهم بذل واضح ، لأن مداولات تقويم الاتفاقية كانت تعلوها ضبابية كبيرة ، مع تخوّف كبير من تكرار تجربة الدستور وقول " نعم " بعد لاءات كثيفة طويلة ، فكان قراري بنشر كتاب نقض المنطق على عامة الدعاة بل عامة الأمة الإسلامية ، ليدرك الجميع خلفيات الأمور ، وكان قراري صائباً ، بدليل حصول القناعة بوجوب رفض المعاهدة من قبل قيادة الإخوان المسلمين وجمهورهم ، وأما كوني تكلمت بلغة قاسية فذاك شأن القضايا المهمة ، إذ تدفع الحماسة إلى المبالغة ، وما قصدت التجريح ، وإنما أردت أن الإخلاص قد تجتمع معه حيرة عندما ينغمس المخلص في حيثيات العمل اليومي الكثيفة وينسى النظر الاستراتيجي واستشراف المستقبل ودراسة ما وراء الساحة المرئية .
وكيف نسمح لأنفسنا أن نثق بتواقيع المفاوض الأميركي في وقت تنقل فيه القنوات الفضائية الأميركية نفسها قول بعض رجال الكونغرس أن بوش تجاوز صلاحياته في تفاصيل المعاهدة وأنهم سيرفضونها ؟
وكيف نثق وقد ظهر القائد الأميركي العسكري الميداني في فضائية الحرة الأميركية العربية وقال بكل صراحة تعقيباً على بند الانسحاب : ( إن حقائق الأرض في حينها هي التي ستقرر الانسحاب أو البقاء ) ؟
وأي قيمة للمعاهدة إن كان الأمر كذلك سوى قيمة الدعاية الفارغة للمالكي والطالباني أنهما حققا معجزة الوعد بالانسحاب ، وليظهر صالح المطلك ويزعم أن المعاهدة حققت ما عجزت عنه المقاومة ؟
إن واقعاً متأزماً كهذا لا يصح فيه غير الجهاد .. !
وخطط الطائفية النهمة الشرهة التي تريد السيطرة على المحافظات السُنية لا تقابلها غير الأذرع الدفاعية الواعية ، ولا تحمينا الدبلوماسيات ومواقف الساسة السلمية الرجائية الاستجدائية .. ! ولا مواقف يستحيل أن يقفها الجيش الأميركي في الدفاع عن المحافظات السُنية نحن فقط الذين نتوهم في خيالنا المريض أنه سيقفها لو أرضيناه بالمعاهدة .. !
والجزار يختار كل يوم أسمن جمل فينا ليذبحه ، والقطيع باركٌ يجتر التبن اليابس، ويا ليته كان عشباً اخضر لا يجرح البلعوم ، ولعل الهزيل يحمد الله على أن ذبحه سيتأخر إلى يومين حتى يسمن !!
والقوة بيد الله ، والحكمة بيد الله ، يضعهما حيث يشاء ، ومن حاق به القدر فلا ملجأ له ، وعليه أن يخوض المستـنقع ، وبظلمنا لأنفسنا ندخل المتاهة .. !
q مفاد التجربة ... يعيب المهربة
¨ الجهاد ... أو استمرار مسلسل القضم المتواصل .
وقيل في مجلسٍ أن روزفلت كان يقول : اجلس كما شئت ، وامشِ كما شئت، واستلقِ هادئاً ، ولكن يجب أن تكون بيدك عصا .. !
وغاية ما كان من رد على نقاطي المنطقية في كتاب النقض : أن قال الزاهد بقولي : أنت تتكلم من خارج العراق ! وهذا رد غير منطقي ، بل هو شكلي فقط .
ولو أن الأمر يستطرد بهذه البساطة فيرفض الناس قول مَن هو خارج حدودهم : إذاً لكان يسوغ رفض معظم إفتاءات فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حول قضايا العالم الإسلامي الواسع ، وهي قضايا عديدة ، وقبول قوله فيما يقع داخل حدود دولة قطر فقط ، وأما إفتاءاته في قضايا فلسطين أو الأفغان أو كشمير أو البوسنة أو السودان أو مناطق أخرى فإنها مرفوضة ، وهذا منطق أعوج وقول باطل تحركه شهوة العناد والتكبر على قول المفتين ، وكذلك عشرات العلماء الأعلام الذين تجاوزت اهتماماتهم قضايا بلادهم المحلية وصارت لهم اهتمامات عالمية ، بل وينسف هذا الظن الأساس الذي قام عليه مجلس الإفتاء العالمي ، فإنهم مجموعة ليس فيهم من البلد الذي تبحث قضيته غير واحد، وربما لا يوجد ، فكيف يستقيم هذا التمرد على مقام العلم الشرعي ، بل رأي الرافضين يقتضي عدم قبول إفتاء الشيخ القرضاوي في قضايا مصر التي هي بلده ، بحجة إقامته خارجها، وتفضيل قول الأزهر الحكومي على قوله ، وهذا هذر بارد وإصرار على التفلت من رقابة الشرع ، وأنا حين أفتي في أمر العراق فلأني عراقي وعشت سنوات المحنة خلال الاستعمار الأميركي في بغداد ، بل في العامرية قلعة الجهاد ، وشاهدت بعيني إفساد المارينز والميليشيات الطائفية والقوى المتنازعة ، وحضرت اجتماعات العشائر والاجتماعات الشعبية الكبرى ، فإذا غبت لبرهة وبدوافع الضرورة يكون قولي مهدراً ؟ هذا بهتان عظيم .
q اتركوني أتــــــــــكـــــــلم ... بصراحة !
¨ في نهاية سرد الوقائع والتحليلات : تنتصب حقيقتان مهمتان تحددان الموقف بجلاء :
أن سوء المعاهدة متنوع وكثير ، وفيها نقص وظلم .
أن مجامع الدعاة رفضت المعاهدة ، وصدر قرار شوري يأمر بالرفض.
¨ إذاً : ما هذه الدندنة الغريبة على حِسّنا في التركيز على ( الاستفتاء ) وكأنه المعجزة التي تحل العقدة ؟
وهل بهذه الصورة يكون ( اختزال ) القضية الواسعة ؟
وهل الاستفتاء غير مصادرة لوعي الدعاة وتحليلات المفكرين ؟
¨ دعوني أقولها بصراحة قبل أن ينفجر قلبي من فكرة الاستفتاء : إنها بدعة سياسية جديدة يريد منها بعض ساستنا التهرّب من تبعات وتكاليف وأثقال الموافقة على المعاهدة ، وإحالة المسؤولية إلى عامة الشعب ليقرر ، وفيهم الساذج والمغلوب على أمره ، والطامع والتابع والحيران .. !
بل المفاصل المهمة في مسيرة الأمة يقررها أهل الحل والعقد من علماء الشرع وأهل الفكر والساسة والنبلاء .
كلا .. ثم كلا .. يا إخوتنا الساسة من رجال البرلمان ورجال الدولة الوزراء والرؤساء .
قدمناكم لتقولوا قولكم في قضايا الأمة ، لا لتوكلوا غيركم أن يقول بدلاً عنكم وبلا دراية ولا إدراك للأسرار أو فهم للغة القانون .. !
هذا تملّص .. وهذه انسحابية من الواجب في ساعة العسرة .. !
نتيجة الاستفتاء معروفة .. وهي الموافقة وتمرير المعاهدة .
إما من خلال مصالح الشمالي والجنوبي حين يشعران بأن بقاء الجيش الأميركي ضروري لحماية مكاسبهما ، وإما بالتزوير ، وتزوير الانتخابات أقرب شاهد وقرينة ، فأين يكمن الأمل ؟
لا شيء سوى أن المحامي يريد توكيل فرّاش المحكمة الأُمي بالمرافعة .. !
هذا خوف .. وهذا عدول عن أداء الواجب .
( سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) .
دمكم أغلى من قضية الأمة ؟ مستقبلكم أثمن من مستقبل العراق ؟
وهل ستختلف فذلكة الاستفتاء هذه عن فذلكة تمرير الدستور بوعد سرابي من لصٍ ذكي ؟
¨ كانت نصيحتي لكم أن تجعلوا شرط الاستفتاء مجرد شرط واحد من عشرين شرطاً تطلبون وضع بنود خاصة فيـها في المعـاهدة صراحة جهاراً نهاراً ، بأن تطلبوا نيابة عن الأمة كتابة وقولاً أن تتضمن المعاهدة :
¢ بقاء القوات الأميركية في قواعدها ولا تتحرك لضرب المجاهدين .
¢ عدم مهاجمة دولة أخرى انطلاقاً من قواعد العراق ، وتحويل البند من اتفاقية الإطار إلى الاتفاقية الأمنية .
¢ إلغاء بند حق الحكومة في طلب بقاء القوات الأميركية .
¢ اشتراط موافقة الكونغرس الأميركي على ذلك مقابل موافقة البرلمان العراقي .
¢ محاكمة الجندي الأميركي وفق القوانين العراقية عندما يجرم .
¢ تعهد أميركا برد عدوان أي دولة مجاورة على العراق ، وتطويق نفوذها .
¢ الحفاظ على وحدة العراق ومنع تقسيمه .
¢ إقامة التوازن الطائفي في الدولة والقوات المسلحة .
¢ تعديل الدستور وفق ما يراه الحزب الإسلامي وأهل السُنة .
¢ مشاركة أهل السُنة في صنع القرار في كل المستويات .
¢ تحرير المعتقلين والمسجونين .
¢ تعويض القتلى والمفقودين والجرحى ، وتعويض كل أضرار الحرب .
¢ إرجاع المهجرين وضمان سلامتهم في بغداد والبصرة وجميع الجنوب وديالى وكركوك .
¢ الحفاظ على تركيبة بغداد السكانية كما كانت قبل الغزو .
¢ كشف نتائج تحقيق لجنة النزاهة واسترجاع المسروق .
¢ تحرير أرصدة العراق المجمدة في أميركا وإلغاء الحجز عليها .
¢ أن يكون جنود الجيش العراقي في المنطقة السنية من أهلها .
¢ النص على منع الانسحاب المفاجئ للجيش الأميركي كي لا تنشأ فوضى .
¢ النص على تأكيد موعد الانسحاب وأنه مبرم لا رجعة فيه .
¢ النص على تكوين حزام للمناطق السُنية في المحافظات ومدينة بغداد من الجيش الأميركي لمنع الميليشيات الطائفية والقوات العراقية الطائفية والكردية من التجاوز عند حدوث حرب أهلية .
¢ العدالة في توزيع الميزانية وحفظ نصيب مكافئ للمحافظات السُنية .
¢ حفظ نصيب من المساعدات الدولية للمناطق السُنية .
¢ المباشرة في استثمار مكامن النفط في الأنبار تحقيقاً للتكافؤ مع الشمال والجنوب عند إعلان الفدراليات أو التقسيم .
¢ وجوب الاستفتاء الشعبي لقبول المعاهدة بعد إعلانها كاملة ، والنص على بطلان كل ملحق سري لها يزعمه أحد الطرفين .
¨ فهذه خمس وعشرون شرطاً كان يجب على الحزب الإسلامي أن يلهج بها كلها ويجعلها ثمناً لقبول المعاهدة من قبل نوابه في البرلمان ومن قبل الأستاذ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية ورئيس الحزب ، والاستفتاء هو شرط واحد منها فقط ، وهو آخر الشروط .
ولا يسع الحزب غير ذلك ، لأنه القرار الشوروي .
وأيضاً : ما كان للحزب أن يضع بعض هذه الشروط في وثيقة عراقية خاصة ، لأنها لا تكون ملزمة ، بل تكون في المعاهدة ، لئلا تهمل كما صار أمر الدستور ، فإنه كان مشفوعاً بتعهد من السفير الأميركي بالتعديل ، ولم يحصل ذلك ، وأي تعهد اليوم خارج المعاهدة لا قيمة له ، وهذه ليست من الأمور الداخلية التي يجوز لأميركا أن تزعم أنها خارج مسؤوليتها ، بل هي صنعتها وأوجدتها ، وهي التي غزت العراق ، وكل هذه السلبيات من نتائج الغزو ، فتكون هي المسؤولة عن إيجاد حل .
كونوا شجعاناً يا ساستنا .. ولا يجوز الاختباء وراء الاستفتاء .
كان يمكن أن تكون شجاعاً يا أخي طارق .. وتشترط كل هذه الشروط.
وكان الطريق ممهداً لك أن تكون بطل هذه المرحلة من تاريخ العراق لو جهرت بالرفض .
¨ وسيكون حديث آخر :
مع الصحوة أن تتقي الله وتفضل المصلحة العامة وتلزم العدل .
ومع القاعدة أن تتقي الله أيضاً ، وتوقف خطتها في الاغتيال ، وتحفظ الدماء السُنية ، وتنتبه للمؤامرة الطائفية .
ومع الأحزاب الكردية وبقية الأحزاب : أن نحل قضية كركوك الشائكة بالحسنى وسلمياً .
ومع أهل السُنة بعامة : أن يستعدوا لغزو طائفي بطيء وفق خطة مدروسة تجعل المحافظات السُنية مختلطة من خلال تهجير الشيعة من أفراد القوات المسلحة وموظفي الوزارات وأساتذة الجامعات إليها والإقامة فيها بشكل دائم .
¨ ومع المقاومة الباسلة :
أن تعلن التعبئة العامة وحالة الطوارئ الدفاعية والهجومية معاً ، فإن الأيام القادمة مليئة بالمفاجئة والعدوان ومحاولة اكتساح المناطق السُنية .
¨¨ أما بعد :
فإن قضية المعاهدة الأمنية قضية شائكة مبهمة ، والاعتصام بفقه الشرع هو مظنة الهداية للصواب بإذن الله ، وفهم الواقع عامل مساعد .
وفي محاولة أخيرة لإقناع البرلمان : تكلم وزير واستنجد بأن رفض المعاهدة يعني تجميد الأموال العراقية لدى أميركا ، وان هناك من أقام الدعوى القضائية ضد العراق وستحجز المحكمة الأموال ، وهذا تهديد سخيف ، فإن هذه الأموال محجوزة منذ سنوات ، وقد صرفتها أميركا من خلال حاجتها وأزمتها المالية الراهنة وليس عندها رصيد للوفاء ، وبعد توقيع المعاهدة ستبقى محجوزة ، لعدم القدرة على الدفع ، كمثل أي تاجر يخون الأمانة ويصرفها على مصالحه ويدعو الدائن إلى الانتظار .
وأنا أخاف أن يكون بعض الساسة يجري في المعاهدة وراء سراب كما هو واقع استمرار جريهم وراء سراب تعديل الدستور بعد إبرامه .
إن النجاحات التي يبشر بها البعض بموافقة اللجنة البرلمانية على الاقتراحات التعديلية للدستور ليست بشيء مهم يوازي ظاهرها ، وليس هو في سياق الاستدراك بذي قيمة كبيرة ، لأن هذه الموافقة هي المرحلة الصغرى الأسهل ، وبعدها مرحلة وسطى أصعب تتمثل في موافقة البرلمان، ثم بعدها المرحلة النهائية الأصعب ، وتتمثل في الاستفتاء الشعبي على التعديل ، وهناك خرط القتاد الذي هو في درجة المستحيل ، لأن اعتراض أي ثلاث محافظات بنسبة 51% من أهلها يكفي لإسقاط التعديلات ، وهذه المحافظات إن لم تكن شيعية فهي كردية جزماً ، وذلك واضح لمن يقرأ واقع الانقسام العرقي ، والنص الدستوري لا يشترط أن تكون الثلاث كردية ، أو أن تكون الثلاث شيعية ، بل يمكن تجميعها من هذه وهذه ، فثـنـتان كرديتان وأخرى جنوبية ، أو العكس ، وهذا محتمل جداً ، بل مؤكد بنسبة مائة بالمائة ، ولذلك فإن كل حديث عن تعديل الدستور إنما هو وهم وخيال وتخدير لأهل السُنة واستهلاك لمعنوياتهم ، ولن يكون ذلك عن طريق هذه المادة الدستورية أبداً ، فإنها فلتة مضت وخدعة انطلت وأصبح أمر الدستور محسوماً ، وحديث التعديل إنما هو لامتصاص الغضبة على مَن ورّط أهل السُنة فيه ، وإنما التعديل يكون بطريق آخر عنوانه الضغط الجهادي بالقوة لاستعادة حق سلبوه منا بالخدعة ، وبالقوة الأميركية أيضاً وفي ظرف استثنائي .. إنه التبديل لا التعديل .
ويجب الاعتراف بمفاد التجربة خلال سنوات الاحتلال الخمس : أن كل المطالبة السلمية بالجلاء فشلت ، وان كل ما رجوناه من الأطراف العراقية الأخرى بإنصافنا وتقاسم السلطة وتوازن الوجود الوظيفي والعسكري والتنفيذ التنموي قد فشل كذلك ، ويتضح ذلك من استرجاع صور الوزارة الموقتة والدستور والوزارة الدائمة وتشكيل القوات المسلحة وقضية الانتخابات والميزانيات ووارد النفط وتوجيه المساعدات الدولية ، نزولاً إلى المدارس والجامعات والمجالس البلدية ، مروراً بإرهاب السجون والقتل ومعركة إجلاء أهل السُنة عن بغداد والبصرة والمحافظات الجنوبية ، والاحتلال الكردي لثلثي محافظة الموصل ، والأقضية في كركوك وديالى ، ولذلك انحصر خيارنا في الجهاد المسلح فقط ، وما يتبعه من الدفاع عن أهل السُنة ومناطقهم، ودعوى وجوب استمرار الحوار السلمي باطلة إن لم يسنده قتال وتهديد حقيقي واستعداد يردع الخصم أصلاً عن التـفكير بالتحرش ، وإنما تؤخذ الدنيا غلاباً .
والله هو الناصر ، ويمكرون ويمكر الله ، وهو خير الماكرين qqq

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية